(70)
) الهذيان )
قالت جوزفين زوج فرتز للطبيب وكانت تتولى تمريض استيفن : لقد أصبحت أخشى على الرجل أن يصيبه شر عظيم ،
وأخوف ما أخاف عليه أن تنزل بعقله نازلة مننوازل الجنون ، فقد أصبح لا ينطق إلا باسم تلك المرأة ، ولا يفكر إلا فيها ، ولا يرى في يقظته أو في منامه غيرها ، فيتخيلها تارة مقبلة عليه فيبتسم لها ويتهلل ويفتح ذراعيه لاستقبالها ، وأخرى منصرفة عنه فيضْرع إليها ويستعطفها ويهتف باسمها هتافا عاليا ، ويحاول النهوض من فراشه لإدراكها والتشبث بها ،
فهو إما ضاحك أو باك ، أو هاتف أو ضارع أو مسترحم ، ولئن دامت له حالته هذه بضعة أيام أخرى ذهبت النكبة بعقله أو بحياته ، وما أحسب أن شيئا غير ظفره بتلك المرأة أو اتصاله بها يشفيه من دائه .
فقال الطبيب : لقد خاطرت اليوم بآخر ما في كنانتي من الأسهم ، فسافرت إلى قرية ولفاخ وقابلت ماجْدولين على غير سابق معرفة لي بها ، ووصفت لها حالة المريض في جنونه واستهتاره بها ، وقيامه وقعوده بأمرها ليله ونهاره ، وسألتها أن تزوره زورة واحدة عسى أن تنفعه وترفه عنه بعض ما به ،
فأبَى زوجها عليها ذلك إباءً شديدا ، فلم أزل به أسترحمه وأستعطفه وأنشده الله والمروءة حتى أذعن بعد لَأيْ ، واشترط أن يصحبها في زيارتها ، فقبلت ذلك منه على مَضَض ، وقد تركتهما الآن يتهيآن للحضور على أثري .
ثم مشى إلى المريض وجس نبضه وأمرَّ يده على رأسه وقال : يا للعجب ! لقد فَصَدْتُهُ ليلة أمس مرتين في ساعة واحدة فما أجدى ذلك عليه شيئا .
ثم جلسبجانبه ينضح جبينه بالماء ويُجرعه بضع قطرات من الدواء .
إنه لكذلك إذ قُرع الباب قرعا خفيفا ، ففتح فدخلت ماجْدولين ووراءها ادوار فلم يشعر استيفن بهما عند دخولهما ، ثم فتح عينيه بعد قليل ونظر إلى جوزفين وقال لها : أين ثيابي التي أمرتك بإحضارها ، أمَا تعلمين أن اليوم يوم الأحد وهو موعد ذهابي إلى الكنيسة للاحتفال بعقد زواجي ؟
فأطرقت المرأة واجمة ، وأدارت ماجْدولين وجهها كي لا يرى أحد اصفرارها ، فتقدم نحوها الطبيب وسألها أن تدنو منه وتناديه باسمه لعله يعرفها ، فدنت من سريره ووقفت أمام وجهه ، فنظر إليها نظرة ذاهلة ثم أدار رأسه وأغمض عينيه ، فعلمت أنه لم يعرفها ، فنادته باسمه بذلك الصوت الرخيم العذب الذي طالما سمعه من قبل فملك عليه مداركه ومشاعره ،
فكأن موجة كهربائية اندفعت في جسمه دفعة واحدة ، فانتفض من مكانه وفتح عينيه وتناهض مكتئبا على إحدى يديه ، وظل يضرب بيديه على جبهته كأنما يستحيي في ذهنه ذكرى قديمة طال عليها العهد ، ويدير رأسه يمنة ويسرة ، ويقلب نظره في وجوه الجالسين حتى وقع على ماجْدولين ، فأخذ يحدق في وجهها تحديقا شديدا ،
ثم ابتسم ومد يده نحوها وقال لها : شكرا لك يا ماجْدولين ، فقد جشمت نفسك مشقة المجيء إليَّ وقد كنت على وشك أن أذهب إليك الساعة لولا أن النوم طرقني فغلبني على أمري ، فهلمي بنا الآن فقد حان الوقت ، وما أحسب إلا أن أصدقاءنا ينتظروننا الآن في الكنيسة ،
وكأنني أراهم وقد جلسوا في دهليزها صفوفا متتالية ينظرون إلى الباب بشوق وتلهف يترقبون حضورنا ، وأرى القسيس يعد لنا وسادتين من القطيفة المزركشة لنركع عليهما أمام المذبح ،
وكأنني أشم رائحة البخور متصاعدة من المواقد ، وأسمع أصوات النواقيس تقرع قرعا متتابعا ،
ثم صعد نظره فيها وصوبه وقال لها : ما أجملك يا ماجْدولين ! وما أجمل هذا الثوب الأبيض الذي ترتدينه ! إنك لا ينقصك الآن غير إكليل الزهر .
ثم مد يده إلى أزهار كانت بجانبه فأخذ يضفر منها إكليلا جميلا ويتأنق في تنسيقه وتنظيمه ،
ثم نظر إلى الطبيب وقد خُيل إليه أنه الشيخ مولر فقال له : ائذن لي يا أبتاه أن أضع هذا الإكليل على رأس ابنتك .
فنظر الطبيب إلى ماجْدولين نظرة استعطاف يسألها فيها أن ترحمه وألا تنغص عليه هناءه الذي يتخيله .
فوضع استيفن الإكليل على رأسها وهي واجمة صفراء كأنما قد انتفضت من كفن ،
وقال لها : أتذكرين يا ماجْدولين يوم وضعت على رأسك منذ عامين في ساعة من ساعات أنسنا ولهونا إكليلا مثل هذا الإكليل فتفاءلنا بذلك خيرا وقلنا ليس بكثير على الأيام أن يصبح جِدا ما لهونا به ، وحقيقة ما حسبناه خيالا ؟
فها قد صدق اليوم فَأْلُنا ، وصحت آمالنا وأحلامنا ، فالحمد لله على ذلك ، وله الشكر على آلائه ونعمائه .
ثم نظر إلى جوزفين وقال لها : إني أشعر بضيق في صدري لا أعلم له سببا فافتحي هذه النافذة لأستنشق هواء هذا الصباح الجميل .
ففعلت فأخذ يقلب وجهه في السماء ويقول : ها هي ذي الطبيعة تهدي إلينا في يوم عرسنا أجمل ذخائرها وأعلاقها : هواءها العليل ، وشمسها الساطعة ، وسماءها الصافية الجميلة ، فشكرا لها على يدها عندنا ، وشكرا للدهر الذي أنالني أمنيتي وأظفرني بها بعد أن كنت على وشك اليأس منها .
ثم التفت فوقع نظره على ادوار فهش له وابتسم في وجهه وقال له : شكرا لك يا صديقي ، ما أحسب إلا أنك أنت الذي أشرت على ماجْدولين بزيارتي في منزلي ، ولولاك لحالبينها وبين ذلك الحياء الذي لا يفارقها في جميع آناء حياتها ،
فامدُدْ إليَّ يدك وكن أول من يهنئني بسعادتي من بين أصدقائي ، فأنت أكرمهم عليَّ جميعا وآثرهم عندي ، أتذْكُر أيام كنا نعيش في هذه الغرفة الصغيرة التي نحن فيها الآن عيش البؤس والشقاء ، يا إدوار
وكنا نتساقى من الود كئوسا مترعات تنسينا حلاوتها مرارة الحياة وآلامها ، وكنت لا أجلس إليك مجلسا إلا قصصت عليك فيه شأني مع ماجْدولين ، وأبثثتك وجدي بها ورجائي فيها ، وقلت لك كلما رأيتك تنظر إليَّ نظرات الهزء والسخرية : إنها قد أقسمت لي يمينا مُحَرَّجَة ألا يُفرق بيني وبينها إلا الموت ،
وإنها لم تخسَ بعدها أبدا ، وإن هذه السحابة السوداء التي تراها متلبدة في سماء حياتي لا تستطيع أن تثبت طويلا على أشعة الحب الحارة المتدفقة ، والحب إله قادر لا يعجزه شأن في هذا العالم ، ولا يثبت على قدرته شيء ؟
فها أنت ذا ترى أنني لم أكن كاذبا في تصوراتي وأحلامي ، وأن أمانيَّ وآمالي لم تكن كما كنت تظنها خيالات شاعر ، ولا هواجس مجنون .
ثم تناول يد ماجْدولين وأهوى بفمه إليها ليقبلها ، فلمع أمام عينيه شعاع خاطف من أشعة الخاتم الماسي الذي يتألق في أصبعها ، فاضطرب ومر بخاطره مرور البرق منظر في حديقة
ذلك الخاتم بعينه يوم رآه في يدها للمرة الأولى ، وهي واقفة مع ادوار بجانب منزلها ، فتراخت يده وامتقع لونه وانطفأ ذلك الشعاع الذي كان يلمع في عينيه وارفض جبينه عرقا ، وأخذ صوابه يعود إليه شيئا فشيئا ،
فظل يقول بصوت خافت متهدج : لا ، لا ، لا حق لي في تقبيل يدها ؛ لأنها ليست لي ولا شأن لي عندها .
ثم تناول غطاءه فأسبله على رأسه وأخذ يبكي بكاء شديدا ، ويقول للطبيب : ليخرجوا عني جميعا فلا شأن لهم عندي ولا شأن لي عندهم .
فاغرورقت عين ماجْدولين بالدموع ، ومدت يدها إليه كالضارعة وهمت بالركوع بجانب سريره ، فجذبها إدوار جذبا شديدا ، فتبعته متثاقلة ، خطوة والتفاتة ، وهي تقول بينها وبين نفسها : ! وا رحمتاه لك أيها البائس المسكين .
وما انقضى النهار حتى سافر ادوار بزوجته إلى كوبلانس تاركا قرية ولفاخ .
(71)
) اليأس )
لبث استيفن في سرير مرضه شهرين كاملين كابََدَ فيهما من آلام النفس والجسم ما قُدِّر له أن يكابده ، ثم أبل قليلا ، فهجر فراشه وأخذ يهيم على وجهه ليله ونهاره ، ينام حيث يجد مضجعا ، لينا أو خشنا ، ويأكل حيث يجد لقمة ، بيضاء أو سوداء ،
لا يستقر بمكان ، ولا يأوي إلى ظل ، ولا يتعهد جسمه أو ثوبه بما يصلح شأنهما ، واستبد به الحزن ، فدق جسمه ، وغارت عيناه ، واسترسل شعر رأسه ولحيته ، وآضت نضرة وجهه شحوبا ، وحمرة خديه اصفرارا ، وأصبح آية السابلين ، وعبرة الغادين والرائحين .
وكان لا يمر بكوخ صديقه فرتز إلا اتفاقا ، فإذا مر به خرج الرجل إليه وزوجه وأولاده وتعلقوا به وناشدوه الله والمودة أن يدخل معهم كوخهم .
فيدخل فلا يلبث إلا ساعة أو بعض ساعة حتى يدركه الملل فيثور ثورة الوحش المهتاج ويفر من بينهم راكضا وقد عاد إلى شأنه الأول .
وكثيرا ما كان يمر في تطوافه بمنزله الصغير الذي بناه في جوتنج وبنى فيهسروح آماله الذاهبة وأمانيه الضائعة فيصرف وجهه عنه ولا يطيق النظر إليه ،
وربما انكفأ راجعا حين يلمح أول شرفة من شرفاته حتى لا يمر به ولا يقع نظره عليه .
وكان إذا ركب رأس طريق مشى فيه قُدُما لا يقف ولا يتريث ولا ينظر يمنة ولا يسرة حتى يعترضه نهر أو جدار ، أو يرى بين يديه مجتمعا من الناس فيستفيق من ذهوله ويعود أدراجه .
ولقد استمر به المسير يوما في بعض غدواته حتى وصل في منتصف النهار إلى كوبلانس فأخذ يهيم في شوارعها وطرقاتها ، والناس ينظرون إليه وإلى منظره الغريب ، وشعوره المشعَّثة الثائرة ونظراته الحائرة المتبددة ويعجبون لأمره .
وإنه لكذلك إذ مرت على القرب منه عجلة فسمع فيها ضحكا عاليا خُيل إليه أنه يعرف نغمته ، فالتفت فإذا ماجْدولين وادوار ،
فصعق في مكانه ، وتراجع إلى جدار كان وراءه فاستند إليه وهو يقول : ما أسعدهما وأهنأ عيشهما ! إنما يبنيان سعادتهما على انقاض شقائي .
ثم ذهل عن نفسه وظل في ذهوله ساعة فلم يستفق حتى رأى حلقة من الناس محيطة به ، ورأى قوما يتضاحكون ويتغامزون ويشيرون إليه إشارات الهزء والسخرية ، فرماهم بنظرة شزراء رجفت لها قلوبهم ، وخطا خطوة واسعة إلى الأمام ، فهالهم منْظره ، وتفرجوا له عن طريقه ، فسار في سبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى بلغ ضاحية المدينة ،
فرأى نهرا جاريا على رأس مزرعة خضراء فجلس على ضفته يُؤامر نفسه على الموت ويقول : لقد كذب الذين قالوا إن الانتحار ضعف وجبن ، وما الضعف ولا الجبن إلا الرضا بحياة كلها آلام وأسقام فرارا من ساعة شدة ،
مهما كابد المرء من الغصص والأوجاع فهي ذاهبة ولا رجعة لها بعد ذلك .
وهل يوجد في باب الجهالات أقبح من جهالة الرجل الذي يفضل حياة يموت فيها في اليوم مائة مرة ، على موتة سريعة عجلى تريحه من هذه الميتات المتقطعة المتداولة .
إني لا أدري لِمَ يضيقُ الرجل بثوبه فينزعه ، ويسمج في نظره منزله فيهجره ، ويتبرم بصاحبه فيفارقه ، ويثقل على ظهره حمله فيُلقي به ،
فإذا ضاقت به حياته لا يخلعها ، ولا يحدث نفسه بالخلاص منها ، والحياة إذا بؤست كانت آلم للنفس وأثقل مئونة من ثوب ضيق ، أو حمل ثقيل .
إنا لا نخاف الانتحار إلا لأنا نحب الحياة ، ولا نحبها على ما هي حافلة به من الكوارث والمحن إلا لأننا جهلاء أغبياء ، نطمع في غير مطمع ونرجو ما لا يمكن أن يكون ،
إنَّا لم نأتِ إلى هذا العالم باختيارنا فلِمَ لا نخرج منه متى شئنا ؟
وإنَّا لم نكتب على أنفسنا عهدا بين يدي أحد أن نبقى فيه بقاء الدهر فلِمَ يُسمى سعينا في الخلاص منه خيانة وغدرا ، أو كفرانا بنعمة الله وإحسانه ؟
في ذلك العهد القديم حينما قال شِيشرون : الروماني إن لصاحب الراية الحق كل الحق في إلقائها عن عاتقه إذا ثقل حملها عليه .
إن كان لصاحب الراية في الحرب حقّ في إلقائها عن عاتقه كان للإنسان حق في قتل نفسه
إنها هفوة هفاها . وجاراه المجتمع الإنساني كله على هفوته هذه حتى اليوم ، دون أن يخطر على بال فرد منأفراده أن يقول له :
وأعجب من ذلك أنهم لا يذكرون الانتحار إلا ذكروا اسم الله بجانبه ، وافتنوا في تصوير غضبه ونقمته على المنتحرين ، والله أعدل وأرحم من أن يبتلي عبدا من عَبيده ببلية لا تطيب له معها الحياة ،
ثم يأبى عليه إلا أن يرتبط بجانبها مدىَ الدهر ، ولا يبتغي لنفسه طريقا إلى الخلاص منها .
وكذلك صحت عزيمته على الانتحار ، وأخذ يفكر في الصورة التي يفارق الحياة عليها فلم يزل يقلب وجوه الرأي في ذلك حتى اهتدى إلى صورة أعجبه خيالها الشعري ، هي أن يكتب كتابا إلى ماجْدولين يبثها فيه آلامه وأحزانه ويحدثها عن عزمه على الانتحار ، وعن المكان الذي سيلقي نفسه فيه من النهر ،
ثم ينزع من أصبعه خاتمه المنسوخ من شعرها ويضعه على فمه ويضع يده عليه ويقبله بلهفة شديدة ، ثم يلقي بنفسه في الماء على هذه الحالة ،
فإذا أتت ماجْدولين وأخرجته من النهر ورأت هذه الصورة المحزنة التي مات عليها أثر في نفسها إخلاصه ووفاؤه ، وأسفت على موته أسفا عظيما ،
وألم بنفسها الندم على فعلتها التي فعلتها معه ، فلا تزال تذكره طول حياتها وتندب مصرعه ومصيره حتى تلحق به .
وهنا رنت في أذنه تلك الضحكة العالية التي سمعها منها منذ ساعة وهي راكبة عجلتها مع زوجها ، فطار ذلك الخيال من رأسه واضمحل في مسراه اضمحلال الأبخرة الذاهبة في آفاق السماء ،
وعادت له أناته ورويته وقال في نفسه : إن من كان مثلها في خيانتها وغدرها وصلابة قلبها وقسوته ، لا يبالي ما أقدم عليه من شئونه ،
فربما ورد عليها كتابي فأغفلته ثم سمعت بخبر موتي فتنفست تنفس الراحة والدعة واغتبطت بينها وبيننفسها بانقشاع تلك الغيمة السوداء التي كانت تغشى سماء حياتها ،
وأعجبها أنها قد أصبحت آمنة مدىَ الدهر أن يذكرها مذكر بخيانتها ، أو يتراءَى لها في مسلك من مسالكها شبح تلك الجناية متى اقترفتها . 1
ثم أَنَّ أنَّة مؤلمة وقال : ويل لي من بائس مسكين ! لقد استحال عليَّ كل شيء حتى الموت .
(72)
) السعادة )
قال فِرِتْز لاستيفن وقد ركب معه في زورقه ساعة الأصيل فسار بهما يشق عُباب الماء شقا : رفه عليك قليلا يا سيدي ، فذلك أمر قد فات واستبد به من قُدِّرَ له ،
وليس في فائت حيلة ولا لما قضى الله مردّ ، ولو شئت أن أقول لك لقلت : إنه غير جميل بك في فضلك وأدبك ووفور عقلك واكتماله ، وعزة نفسك وأنفتها أن تحبس حياتك كلها على امرأة قد علمت ألا خير لك فيها ، وأنها قد خانتك وخذلتك ، وبلغت بك في الشقاء المبالغ التي لم يبلغها أحد ،
وطعنت قلبك تلك الطعنة النجلاء التي يَثَلُّ منها جريحا إلا بمعونة من رحمة الله وإحسانه ، وإنها — وأنت تشقى هذا الشقاء كله في سبيلها — تقضي ساعات ليلها ونهارها بين ذراعي زوجها هانئة مغتبطة ، غير حافلة بك ولا آسفة عليك ،
ولا ذاكرة لك ذمة ولا عهدا ، فأين شرفك وإباؤك ؟ وأين عزة نفسك وأنفتها ؟ وأين ترفعك الذي أعرفه لك ويعرفه لك الناس جميعا عن مواطن المهانة والضَّعَة ؟
الحق أقول إني لا أعرف سهما أخيب من سهمك ، ولا رأيا أضعف من رأيك ، ولا حياة أضيع من حياتك .
لقد سلبتك هذه المرأة يا سيدي زهرة عمرك ، فحسبك ذلك واستبق لنفسك ما بقي منه ، وتمتع فيه بما أعد الله لك في هذه الحياة من لذائذ ومتع لا تنفد ولا تبلى ،
واطلب السعادة إن أردتها بين أحضان الطبيعة وأعطافها ، وفي كل ما يحمل بساط الأرض وتظلل قبة السماء ، فالطبيعة أمّ حنون تضم بين ذراعيها أولادها البؤساء المحزونين فتمسح همومهم عن صدورهم ،
ودموعهم عن مآقيهم ، وتملأ قلوبهم غبطة وهناء .
اطلب السعادة في الحقول والغابات ، والسهول والجبال ، والأغراس والأشجار ، والأوراق والأثمار ، والبحيرات والأنهار ، وفي منظر الشمس طالعة وغاربة ، والسحب\ مجتمعة ومتفرقة ، والطير غادية ورائحة ، والنجوم ثابتة وسارية ،
واطلبها في تعهد حديقتك ، وتخطيط جداولها ، وغرس أغراسها ، وتشذيب أشجارها ، وتنسيق أزهارها ، وفي وقوفك على ضفاف الأنهار ، وصعودك إلى قمم الجبال ، وانحدارك إلى بطون الأودية والوهاد ، وفي إصغائك في سكون الليل وهدوئه إلى خرير المياه ، وصفير الرياح ، وحفيف الأوراق ، وصرير الجنادب ، ونقيق الضفادع ،
واطلبها في مودة الإخوان وصداقة الأصدقاء ، وإسداء المعروف ، وتفريج كربة المكروب ، والأخذ بيد البائس المنكوب ،
ففي كل منظر من 1هذه المناظر ، أو موقف من هذه المواقف ، جمال شريف طاهر يستوقف النظر ، ويستلهي الفكر ويستغرق الشعور ، ويحيي ميت النفس والوجدان ، ويملأ فضاء الحياة هناء ورغدا .
إنكم تأبون يا أهل المدن إلا أن تشتروا سعادة الحياة بدمائكم وأرواحكم ، والسعادة حاضرة بين أيديكم لا ثمن لها ولا قيمة ،
ولكنكم تجهلونها وتعرضون عنها ، وتظنون ألا وجود لها إلا في أحضان النساء ، وبين أستارهن وأرائكهن ، فتبذلون في سبيلها من دموعكم وآلامكم ما لا قبل لكم باحتماله ،
فلا تلبثون أن تذبل حياتكم ، وتضوى أجسامكم ، وتنطفئ جذوة نفوسكم قبل أوانها ، فتموتوا أضيع ميتة وأخسرها ، لا أملا أفدتم ، ولا حياة حفظتم .
إنما يشْقَى في هذا العالم أحد ثلاثة : حاسد يتألم لمنظر النعم التي يسبغها الله على عباده ، ونعم الله لا تنفد ولا تفنى ، وطَمّاع لا يستريح إلى غاية من الغايات حتى تنبعث نفسه وراء غاية غيرها فلا تفنى مطامعه ولا تنتهي متاعبه ، ومقترف جريمة من جرائم العرض والشرف لا يفارقه خيالها حيثما حل وأينما سار ،
وما أنت يا سيدي بواحد من هؤلاء ، فمن أي باب من الأبواب يتسرب الشقاء إلى قلبك ؟
أنت شاعر يا مولاي ، وقلب الشاعر مرآة تتراءَى فيها صور الكائنات صغيرها وكبيرها ، دقيقها وجليلها ،
فإن أعوزتك السعادة ففتش عنها في أعماق قلبك ، فقلبك الصورة الصغرى للعالم الأكبر وما فيه .
السماء جميلة ، والشاعر هو الذي يستطيع أن يدرك سر جمالها ، ويخترق بنظراته أديمها الأزرق الصافي ،
فيرى في ذلك العالم العلوي النائي ما لا تراه عين ، ولا يمتد إليه نظر .
والبحر عظيم ، والشاعر هو الذي يشعر بعظمته وجلاله ، ويرى في صفحته الرجراجة المترجحة صور الأمم التي طواها ، والمدن التي محاها ، والدول التي أبادها ، وهو باق على صورته لا يتغير ولا يتبدل ، ولا يبلى على العصور والأيام .
والليل موحش ، والشاعر هو الذي يسمع في سكونه وهدوئه أنين الباكين ، وزفرات المتألمين ، وأصوات الدعاء المتصاعدة إلى آفاق السماء ، ويرى صور الأحلام الطائفة بمضاجع النائمين ، وخيالات السعادة والشقاء الهائمة في رءوس المجدودين والمحدودين .
الشاعر يرى الجمال في كل شيء يتناوله سمعه وبصره ، حتى في الزهرة الذابلة ، والنبتة الحائلة ، والمحلة الطائرة ، والفراشة الحائمة ، وفي مدارج النمال ، وأفاحيص القطا ، والنُّؤْي المتهدم ، والجدث البالي ، والشبح المخيف ، والخيال الرائع ، وفي الضفدعة الملقاة على شاطئ البحر ، والدودة الممتدة في باطن الصهر ، فهو من خياله الواسع في نعمة دائمة لا تنفد ولا تبلى . 1
أنت كالطائر السجين في قفصه ، فمزق عن نفسك هذا السجن الذي يحيط بك ، وطر بجناحيك في أجواء هذا العالم المنبسط الفسيح ، وتنقل ما شئت في جنباته وأكنافه ، واهتف بأغاريدك الجميلة فوق قمم جباله ، ورءوس أشجاره ، وضفاف أنهاره ، فأنت لم تخلق للسجن والقيد ، بل للهتاف والتغريد .
فأطرَق استيفن ساعة ذهبت فيها نفسه كل مذهب ،
ثم رفع رأسه وقال : إني منذ أيام طوال أحاول ذلك يا فرتز فلا أستطيعه ، ولو كان لي فيما قضى الله حيلة لسحقت قلبي بقدمي سحقا ،
ثم أسلمت ذراته إلى الرياح الأربع تذهب بها حيث تشاء ، ولكن لا سبيل لي إلى ذلك ،
وإنما هو بلاء قد بليت به لحين قد أرُيد لي ، على أني أعاهدك منذ الساعة عهدا لا أَخِيسُ به ألا تراني بعد اليوم ذاكرا لها ، ولا باكيا عليها ، أما ما يضمره القلب من ثكل ولوعة فأسأل الله أن يعينني عليه
فقال له فرتز ذلك كل ما أريده منك ، والله يتولى شأْنك ويعينك على بقية أمرك .
(73)
) الهدوء )
الحب قطرة غيث صافية تنزل بالتربة الطيبة فتثمر الرحمة والشفقة والبر والمعروف ،
وبالتربة الخبيثة فتثمر الحقد والغضب والشر والانتقام ،
وكان استيفن طيب القلب ، طاهر السريرة ، فاستحالت تلك الآلام التي كانت تعتلج في نفسه إلى وجدان طاهر شريف ، يشعر ببؤسالبائسين فيرثى لهم ، وفجيعة المتفجعين فيبكي عليهم ،
ولقد وَفّىَ بعهده الذي عاهد عليه صديقه فرتز فأمسك عن ذكر ماجْدولين والتفكير فيها ، وأخذ نفسه بنسيانها ونسيان ماضيها معه ،
فاستقام له بعض الذي أراد ، وتراجعت آلام نفسه وأحزانها إلى زاوية منفردة من زوايا قلبه فكمنت فيها فلم يعد يشعر بها إلا في الفَيْنَة بعد الفينة ، ولا يذكرها إلا كما يذكر المستيقظ حلما ضئيلا من أحلامه المزعجة ساعة ثم يمضي لسبيله .
وكان أكبر ما أَعانه على هدوئه وسكونه أنه أخذ نفسه بعمل الخير والمعروف ، فوجد فيه لذة تفوق لذة تلك الآمال والأحلام ، فولع به ولعا شديدا ، وأصبح لا يسمع بمنكوب قريب منه أو ناء عنه إلا ذهب إليه وأعانه على نكبته جهد استطاعته ،
ولا يطرق عليه بابه في دجى الليل أو ضحوة النهار طارق لحاجة من الحاجات إلا أخذ بيده فيها واحتملها في نفسه أو ماله .
واتخذ أسرة صديقه فرتز أسرة له وأصبح أخا لكبيرها ، ووالدا لصغيرها ،
ووجد في نفسه من الأنس بها والاغتباط بعشرتها ما كان يتمنى لنفسه طول حياته أن يكون له بين زوجته وأولاده ،
وعاد إلى فنه القديم ، 1
فن الموسيقى ، وكانت قد شغلته عنه تلك الشئون الماضية ، فتعهده في نفسه واستحياه ، واستجد جميع آلاته وأدواته ،
فكان إذا جن الليل وخلا بنفسه قام إلى قيثارته فلعب بأوتارها ، أو جلس إلى البيانو فوقع عليه بعض الألحان القديمة أو الحديثة توقيعا يجيد فيه إجادة لا عهد له بمثلها من قبل ،
فقد صقلت تلك الآلام الماضية التي كابدها في حياته صفحة نفسه وأنارتها ، وملأتها شعورا ووجدانا ، وسمت بها إلى سماء فوق سمائها الأولى ، فتجلت بجلالها ورونقها في نبرات صوته حين يتنغم ، وحركات أنامله حين يوقع ، وما هي إلا أيام قلائل حتى ارتقى به الأمر إلى منزلة الابتكار ، فوضع ألحانا جديدة محزنة كانت تنفجر من ذلك القلب المصدوع تفجر المياه الصافية من صدوع الأحجار ،
فتنساب في أفئدة البائسين والمحزونين ، وتتغلغل في أعماق قلوبهم حتى تبلغ سويداءها .
ما كان استيفن عالما من علماء الموسيقى ، ولا حافظا من كبار حفاظها ، ولا كان نصيبه من الإلمام بقواعدها وأصولها أكثر من نصيب زملائه ولِدَاتِه ، ولكنه كان ذا قلب ، والقلب هو الينبوع الثَّجَّاج الذي يتفجر منه الشعر والموسيقى وسائر الفنون الأدبية ،
وليس أشعر الشعراء أحفظهم لقواعد اللغة وقوانينها ، بل أدقهم شعورا وألطفهم حسا ،
وليس أفضل المغنيين أعلمهم بفنون النغم ، وضروب الإيقاع ، بل أنطقهم قلبا وأفصحهم فؤادا ، وما ملك نوابغ الممثلين أفئدة الناس وقلوبهم في مواقف تمثيلهم ، ولا استدروا دموع الباكين من محاجرها ، إلا لأن لهم قلوبا حزينة متفجعة تتأثر بصور الوقائع التي يمثلونها ؛
فإذا بكوا صَدَقوا في بكائهم ، وإذا تفجعوا تفجعوا بقلوبهم ، ولا يفهم لغة القلب غير القلب ولا يشعر بسر النفس غير النفس ، ورب أنة بسيطة ساذجة يسمعها السامع في جوف الليل من ثاكل منكوب تأخذ من نفسه ما لا تأخذه قطعة شعرية بليغة مملوءة بغرائب المعاني وبدائع التصورات ،
ينظمها شاعر غير باك ويغنيها مغنّ غير محزون ،
وما قواعد الشعر والموسيقى والرسم والتصوير إلا حدود يتقي بها المقلدون المحتذون الوقوع في الخطأ الفني ،
أما الملهمون فما أغناهم برقة وجدانهم ولطف حسهم وصفاء نفوسهم وسلامة طباعهم عن التمثل والاحتذاء . 1
(74)
) من ماجْدولين إلى سوزان )
كنت أرجو أن تطول عشرتنا في كوبلانس أكثر مما طالت ، وألا يفرق بيني وبينك إلا الموت ، ولكن هكذا أراد زوجك أن يطوي بك هذه المرحلة البعيدة ، وأن يحرمني أعز صديقة كنت لا أجد لذة العيش إلا بجوارها ،
ولا أستسيغ طعم الحياة إلا معها ، ولعلك هانئة في موطنك الجديد كما كنت هانئة في كوبلانس ؟
أنا سعيدة والحمد الله ، لا أشكو شيئا غير فراقك ، وحرماني رؤيتك ، ولا يزال ادوار يحبني وينزل عند رغباتي ، ويتفقد جميع مرافقي وحاجاتي ، فله الشكر على ذلك .
لا أكتمك يا سوزان أني كنت أشعر في نفسي ببعض الحزن على ذلك الفتى المسكين الذي لقي في سبيلي ذلك الشقاء العظيم الذي تعلمينه ، ولقد سررت اليوم سرورا عظيما حينما علمت من أخباره أنه قد نسي ذلك الماضي جميعه خيره وشره ، وأنه قد عاد إلى رشده وصوابه ،
ونزع عن تلك التصورات الغريبة والخيالات السوداء التي كانت تخالط عقله ، وتذهب براحته وسكونه ، وأصبح يأنس بالناس ويشعر بلذة المخالطة والاجتماع ،
ويعيش في بيته الذي بناه في جوتنج عيشا هادئا ساكنا لا يمازجه حزن ولا كدر ، بل وسمعت عنه ما هو أكثر من ذلك ، وهو أنه يشتغل بفن الموسيقى اشتغالا يستغرق جميعمشاعره وعواطفه ، وأنه قد برع فيه براعة غريبة لا يبلغ مبلغه فيها إلا القليل من الناس ،
ويقول الذين حدثوني حديثه إن شأنه في ذلك الفن سيكون شأنا عظيما ، وربما بلغ فيهبعد قليل من الأعوام مبلغ النابهين من نوابغه وأفذاذه ،
فحمدت الله على ذلك حمدا كثيرا ؛ لأني كنت أشعر في أعماق نفسي بالحزن عليه والرثاء له ،
بل بالنقمة على الدهر من أجله ، وكان يخيل إليَّ أنه لو مات في سبيله هذه لتنغص عليَّ عيشي ، ولقضيت بقية أيام حياتي محزونة النفس ، موحشة القلب حتى يوافيني أجلي .
اكتبي إليَّ كثيرا يا سوزان وحدثيني عن كل ما يحيط بك من الأشياء ، ذلك ما يعزيني عن فراقك بعض العزاء .
(75)
) من ماجْدولين إلى سوزان )
أنعي إليك مع الأسف والدي ، فقد مات رحمة الله عليه بعد مرض لازمه خمسة أشهر ، حتى مضى لرحمة ربه ،
ولم أعد إلى كوبلانس وكنت قائمة بتمريضه كل هذه المدة في ولفاخ إلا منذ أيام قلائل ، وهذا ما حال بيني وبين الرد على كتبك التي أرسلتها إليَّ ،
فسامحيني في تقصيري ، وابكي معي ذلك الأب البر الرحيم الذي أَحبَني في حياته فوق ما يحب الآباء أبناءهم ، ومات وهو لا يأسف على فقد شيء في الدنيا سواي ، ولقد كنت لأسمع قبل اليوم أن الفتاة الثاكل لا تبكي أباها وهي متزوجة كما تبكيه وهي عذراء ،
فأرتاب في ذلك ارتيابا كثيرا ، حتى مات أبي فبكيته بكاء لا تبكيه متزوجة ولا عذراء ، فرحمة الله عليه وعلى أيامه الغر الحسان ، وعلى نفسه الطاهرة .
ولقد عزاني عن فقده بعض العزاء أن كثيرا من صواحبي وأصحاب زوجي كتبوا إليَّ كتب تعزية رقيقة حَمَلَتْ عن نفسي بعض همومها وأشجانها ، والذي عجبت له كل العجب وملأ نفسي دهشة وحيرة أني وجدت بين تلك الكتب كتابا أرسله إلي استيفن من جوتنج يعزيني فيه أجمل تعزية وأرقها ، ويتفجع فيه على الميت تفجعا عظيما ، ويخاطبني بتلك اللهجة التي لا يخاطب بها المرء إلا أكرم أصدقائه عليه ، وآثرهم عنده ،
فعجبت لأمره كثيرا وقلت في نفسي : إن كان الرجل لا يزال يضمر لي في قلبه حتى اليوم بقية من ذلك الإجلال القديم بعد الذي كان بيني وبينه ، فهو أكرم الناس خلقا ، وأشرفهم نفسا ، وأعلاهم همة ، على أن الذي سرني في عمله هذا أكثر من كل شيء أنه قد غفر لذلك الشيخ المسكين تلك الإساءة التي كان يظن أنه أسلفها إليه ،
فمضى لربه طاهر النفس ، نقي الصحيفة ، لا يحمل تبعة ، ولا يجر وراءه إثما . لهذا الإنسان الغريب الذي كنا نتهمه بالأمس في عقله
ألا تعجبين معي يا سوزان وننزل به إلى مرتبة المُخالَطين الممرورين الذين لا يصلحون لشأن من شئون الحياة كيف استحالت حاله ، وهدأت ثورة نفسه ، وأصبح رجلا كريما مهذبا ، عاملا مستقيما ، طيب السريرة والنفس ، لا يحقد ولا يضطغن ، ولا يأبى أن يغفر الذنب الذي لا يغفره أحد ، وينسى الإساءة التي لا ينساها إنسان ؟ !
أهديك ياسوزان تحيتي وتحية إدوار
وأبلغي تحيتي لفردريك .
(76)
) من ماجْدولين إلى سوزان )
لم تكتبي إلي يا سوزان منذ ثلاثة أشهر إلا كتابا واحدا لا يزيد على خمسة أسطر ، وهو قليل لا يقنعني منك ، فإن لم تكتبي إليَّ لتعزيتي وتسرية هموم نفسي فاكتبي إليَّ لأعلم أنك سعيدة هانئة في موطنك الجديد .
أشعر يا سوزان مذ مات أبي أنني ضيقة الصدر ، خائرة النفس ، ولا أدري ما الذي طرأ على ادوار فقد تغير لبعض التغير عما كان عليه ، وأصبح لا ينظر إليَّ بالعين التي كان ينظر بها إليَّ من قبل ،
ولا أريد أن أقول إنه أبغضني أو تبرم بي أو فتر عن خدمتي والقيام بشأني ، بل أريد أن أقول إنني أصبحت أرى في عينيه تقصيرا نحوي وازورارا لا عهد لي بهما من قبل ،
وصارت ابتسامته مزيجا من المجاملة والحب ، وكانت خالصة للحب قبل ذلك ، وأصبحت تتخلل أحاديثنا فترات طويلة موحشة ما كانت تتخللها قبل اليوم ،
وكنت لا أذهب معه في الحديث مذهبا أستحسن فيه أمرا أو أستهجنه إلا ذهب معي فيه ، فأصبح يستهجن أكثر ما أستحسن ، ويستحسن أكثر ما أستهجن ، كأنما يتعمد مغايظتي ومحادتي ، وصار يأنس بالزائرين والوافدين ويطيل جلوسه معهم ، وقلما كان يأنس بهم أو يهش إلى لقائهم أو يستخفه شيء غير الجلوس معي والحديث إليَّ ،
وكنت لا أبتسم إلى رجل من الرجال ابتسامة ود أو مجاملة أو أتبسط معه في حديث إلا وجم لذلك وجوما يظهر في عينيه وفلتات لسانه ، فأصبح لا يأبه لشيء من ذلك ولا يحفل به ، والغيرة دخان الحب ، فإذا انطفأت ناره انقطع دخانه .
فربما كنت واهمة أو متخيلة ، وربما كتبت إليك بعد قليل أنني سعيدة هانئة ، وأن هذا الوهم لا أثر له في نفسي فلا يحزنك لا يحزنك من ذلك شيء يا سوزان .
(77)
) من سوزان إلى ماجْدولين )
لا شك أنك واهمة يا ماجْدولين ، فإن ادوار يحبك حبا شديدا ولا يؤثر على رضاك غرضا من أغراض الحياة ومآربها ،
وأرى لك ألا تتغلغلي بنفسك هذا التغلغل كله في بواطن الأشياء وأعماقها ، فعفو الحياة خير من مجهودها ، والسعادة كالزهرة لا تزال ناضرة ما قنع رائيها منها بمنظرها وأريجها ،
فإذا جاوز ذلك إلى لمسها والعبث بها ذبلت وذوت وذهب جمالها ورواؤها ،
وأهُديك تحيتي وسلامي .
(78)
) من ماجْدولين إلى سوزان )
لقد وقع لي منذ أيام أمر غريب لا أجد لي بدا من الإفضاء به إليك : دُعيت أنا وادوار منذ أيام قلائل إلى حفلة أُنْس قال صاحبها حين دعانا إليها : إن الذي سيقوم بأدوار الغناء والتوقيع فيها صديق له من مهرة الموسيقيين وحذاقهم ، فسألناه عن اسمه فأبَى إلا أن يباغتنا به مباغتة ، وقال : إنه حديث عهد بذلك الفن ، وإن هذا أول عهده بالغناء في المجامع العامة ، وظل يثني عليه ثناءً عظيما ، ويذهب في تقريظه والإشادة له كل مذهب ،
فلم يكن لي همّ عندما ذهبت إلى تلك الحفلة إلا رؤية ذلك الموسيقي الماهر واستماع أغانيه وألحانه ،
فظللت شاخصة إلى كرسي البيانو أنتظر ذلك الذي سيتقدم من بين الحاضرين فيجلس عليه حتى رأيت فتى نحيلا ساهم الوجه ، تتراءَى بين أعطافه مخايل العزة والشرف ، قدوما مشى إلى ذلك الكرسي حتى جلس عليه بلباقة وظرف ، فتأملته فإذا هو استيفن .
ما كدت أعرفه فقد اختفى من وجهه ذلك الإنسان الأشعث الأغبر ، الخشن الأعضاء والملامح ، وحل محله إنسان آخر ظريف متأنق هادئ الحركات حلو الشمائل ،
يكاد يحسبه الناظر إليه للمرة الأولى جميلا ، وما هو بجميل ولا مستملح ، ولكنه جمال نفسه قد فاض على جسمه فكساه رونقه وبهاءه .
ثم بدأ التوقيع فأنشأت أنامله تلعب بأوتار البيانو ، فكأنما كانت تلعب بأفئدتنا وقلوبنا ، وأخذ يغني في أثناء توقيعه غناء مشجيا مخزنا ، خُيل إلينا ونحن نسمعه أنناقد انتقلنا من هذا العالم إلى عالم آخر من عوالم الأرواح ، وأن ما نسمعه ليس صوتا صاعدا من عالم الأرض بل هابطا من آفاق السماء ،
حتى أتى على النغمة الأخيرة ، فلم يملك السامعون أنفسهم أن هرعوا إليه جميعا وداروا به يهنئونه ويقرظونه ، ويرددون في أحاديثهم أنهم ما سمعوا في حياتهم توقيعا أفضل من توقيعه ، ولا ألحانا أبدع من ألحانه ، وهو يشكر لهم ثناءهم عليه واحتفاءهم به ،
ويبتسم لهم فيما بين ذلك ابتسامة هادئة غريبة ، لا يعلم الناظر إليه أم تكلفة هي أم هي ابتسامته التي لا تنفرج عن غيرها شفتاه ؟ وكيفما كان الأمر فقد خُيل إليَّ أني رأيت فيها معنى دقيقا لا أحسب أن أحدا من الناس أدركه سواي ، وهو أنها مصبوغة بصبغة رقيقة من الحزن العميق .
ولقد كادت تحدثني نفسي لكثرة ما نالني من الطرب وخالط قلبي من الجَذَل ، والسرور أن أذهب إليه أهنئه كما يفعل سائر الناس ، فلم أستطع حتى أرى رأي ادوار فلم ألبث أن رأيته يمشي إليه فتبعته حتى هنأه فهنأته مثله ، وكنت أتوقع أن أرى على وجهه عند رؤيتنا حالة من حالات الغضب أو الارتباك ، فلم أر إلا رجفة خفيفة مرت بشفته عندما نظر إلينا ثم عاد إلى ابتسامه وتطلقه ،
وأنشأ يحدثنا بسكون وهدوء كأنما هو يتمم حديثا كان بيننا وبينه من قبل ، فعلمت أن الرجل قد محا من سجل حياته تلك الأعوام التي شقي فيها ، ومحا معها ذكرى علاقتنا ببؤسه وشقائه ، وأصبح لا يرى بين يديه إلا امرأة قد منحته في عهد من عهود حياتها الماضية ودها وإخلاصها ، وإلا رجلا قد صادقه وآخاه وقاسمه بؤسه وشقاءه في أيام طفولته وصباه ، ثم لا يزيد على ذلك شيئا ،
فلم ينقضِ الليل حتى ذهب ما كان بينه وبيننا من الوحشة والجفاء ،
وذهبنا معه في الحديث مذاهب مختلفة ، ووعد ادوار أن يزوره في منزله في عهد قريب ، ثم افترقا .
(79)
) من ماجْدولين إلى سوزان )
لا أزال يا سوزان ضيقة الصدر ، كثيرة الهم ، ولا يزال ادوار قريبا مني بعنايته
إدوار واهتمامه ، بعيدا عني بقلبه وعواطفه ، فقد ملأ فراغ قلبه بشئون مختلفة لا أعرفها ولا آبه لشيء منها ، ولم يترك فيه للحب إلا زاوية صغيرة محددة لا تتسع ولا تنقبض ، ولا تجد العواطف لنفسها فيها مجالا ؛ فهو يحبني حبا هادئا فاترا ، ربما لا يزيد عن محبته لخيوله وعجلاته ، وقصوره وبساتينه ، وأحسب لو أنه أراد أن يزيد على ذلك شيئا لما استطاع ؛ لأن نفسه ليست تلك النفس الشعرية المتلألئة التي تذهب في الحب كل مذهب ، وتطير في سمائه كل مطار ، ولأنه لا يفهم من الحب أكثر من ذلك المعنى المادي البسيط الذي يفهمه الحيوان الأعجم ،
بل لا يدرك من شئون الحياة جميعها غير ما يقع تحت حواسه ومشاعره .
والآن أستطيع أن أعترف لك يا صديقتي بأنني ما شعرت في يوم من أيام حياتي معه — على حبي إياه وإعجابي به — بأن نفسي خالطت نفسه ، أو لامستها ، أو امتزجت بها ذلك الامتزاج الذي يحيل النفسين المختلفين إلى نفس واحدة ، بل كنت أرى دائما أنه وإن كان يحبني ويستهيم بي ويبذل لي من ذات نفسه وذات يده كل ما يستطيع أن يبذله زوج لزوجته ؛ فهو عاجز عن أن يشعل في قلبي نار الحب الشعري الجميل الذي لا تقنع المرأة من الرجل بدونه ،
ولا تأنس منه بشيء سواه ، ونار الحب إن لم يتعهدها متعهدها بالتأريث والتأجيج فترت وانفثأت واستحالت جمرتها إلى رماد ،
والحب كالطائر لا حياة له إلا في الغدو والرواح ، والتغريد والتنقير ، فإذا طال سجنه في قفص القلب تضعضع وتهالك ،
وأحنى رأسه يائسا ، ثم قضى .
وأعظم ما أشكو من الهموم في حياتي معه أنني أصبحت أشعر منذ أيام طوال أنني أعيش في عزلة منقطعة عن العالم كله ، لا أنيس لي فيها ولا سمير ، فإذا مر بخاطري فكر من الأفكار أو اختلج في نفسي غرض من الأغراض ، أو خفق قلبي خفقة سرور أو حزن أو ارتياح أو انقباض ، لا أستطيع أن أفضي إليه بشيء من ذلك مخافة ألا يفهمه ،
أو يفهم منه غير ما أريد فيزدريه ويزدريني من أجله ، ويوسعني هُزءا وسخرية ،
فلا أجد لي بدا ، من أن أتكتمه في نفسي ، وأطويه بين أضالعي .
ألا ترين بعد هذا يا سوزان أنني في أشد الحاجة إليك ، وإلى بقائك بجانبي ، لتأخذي بيدي في ظلمات حياتي ، وتحملي عني بعض همومي وأشجاني ، فهل يقدر لي الله أن أراك بين يدي في عهد قريب ؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق