(20)
) من مولر إلى استيفن )
أكتب إليك كتابي هذا ويدي ترتعد خجلا ، ونفسي تسيل حزنا ؛ لأني ما كنت أقدر في نفسي أن ستمر بي ساعة من ساعات حياتي أرى نفسي مضطرا أن أقول لصديقي الذي أجله وأعظمه وأنزله من نفسي خير منزلة : إني لا أستطيع أن أستقبلك في منزلي بعد اليوم ،
بل لا أستطيع أن أحتمل بقاءك في المنزل الذي أسكنه وتسكنه ابنتي ؛ لأن لي شرفا أُبْقي عليه أكثر مما أبقي على صداقة الأصدقاء ، على أنني أرجو ألا تزال تَعُدُّنِي صديقك المخلص إليك ، كما أني لا أزال أَعُدُّكَ كذلك ،
وإن فرقت بيننا الأيام .
(21)
) حديث )
جلست ماجْدولين في غرفتها تخيط ثوبا لها ، ربما كانت تعده لليلة عرسها ، فندرت إبرتهامن يدها ، فرفعت رأسها فإذا أبوها ماثل بباب الغرفة ، فدهشت لمَرآه ، وراعها منظر سكونه وجموده ،
ثم مشى إليها بقدم مطمئنة حتى وضع يده على عاتقها وقال : أتعلمين يا ماجْدولين أني أرسلت الساعة جنفياف بكتاب إلى استيفن أمنعه فيه من دخول بيتي ، بل أمنعه من البقاء في منزلي ؟
قالت : لا أعلم من ذلك شيئا ، ولا أعرف لصنيعك هذا سببا ، ؟
قال : لا سبب له إلا أنه يحبك .
قالت : إنه لا يحبني ، ولكنه يحب أن يتزوج بي .
قال : ذلك ما لا أريد أن يكون .
قالت : ولماذا ؟
قال : لأنه لا يصلح أن يكون زوجا لك .
قالت : أنا أعلم أنك اتخذته لنفسك صديقا ، وأنك تعرف له مكانه من الفضل والنبل ، فكيف ترضى أن تتخذ لنفسك صديقا من لا ترى أنه لا يصلح أن يكون لابنتك زوجا ؟
قال : إني أصادقه لأنه شخص كريم ، ولا أحب أن أصاهره ؛ لأنه بائس فقير ، فقد عثرت اليوم بكتاب سقط منه فقرأته فعرفت أنه لا يملك ما يقوت به نفسه ، فأحرى ألا يملك ما يقوت به أهله .
قالت : إنك حدثتني عنه أنه فتى ذكيّ متعلم ، ومن كان هذا شأنه لا يكون بينه وبين الغنى إلا بضع جولات يجولها في ميدان هذا العالم ، فيعود من بعدها رجلا غنيا ، وزوجا صالحا .
قال : إن في أخلاقه من الأنفة والترفع ما يحول بينه وبين النجاح .
قالت : إن الحب يُقوِّم ما اعوج من الأخلاق ، ويحيي ميت الأمل في نفس المحب ، فلا تطفئ جمرة الحب التي تشتعل في قلبه ، فإنك إن فعلت قتلته وقتلت أمله وأتلفت عليه حياته .
قال : يا بنية ، إني أعلم من أخلاق الناس وشئونهم ما لا تعلمين ، وقد رأيت أني أكون مخاطرا بك وبمستقبلك وبكل ما أرجو لك من سعادة في العيش وهناء إن أنا رضيت لك هذا الزواج الذي أعلم أن شره أكثر من خيره ، بل أعلم أنه شر كله لا خير فيه ،
فانظري يا بنية في أمر نفسك بعين غير عين الحب ، فإنها دائما حولاء ، واذكري أن أباك الذي يحبك وينزلك من نفسه منزلة لا يغلبك عليها غالب لا يمكن أن يكون غاشا لك أو خادعا .
فركعت بين يديه ومدت يدها إليه ضارعة ، وأنشأت تسترحمه بالبكاء مرة والدعاء أخرى ، فكانت كأنها تستنبط الماء من الصخر ،
أو تستنبت الربيع في المهمه القفر حتى وهت قوتها ، فسقطت تحت قدميه ، فتركها مكانها ومضى لسبيله وهو يقول : إنك اليوم تجهلين وغدا تعلمين .
(22)
) الخبر )
دخلت جنفياف على استيفن في غرفته وهو جالس إلى مصباح ضعيف يقرأ في كتاب ، فأعطته كتاب سيدها ورجعت أدراجها ، وكان أول كتاب جاءه من مولر ، ،فمر بخاطره — وهو يفض غلافه — كل شأن إلا الشأن الذي كتب فيه ،
فما أمر نظره عليه حتى فهم كل شيء . فلو أن راميا سدد إلى قلبه سهما حديدا فنفذ ما بلغ منه ما بلغ هذا الكتاب ، ولو أن نازلة من نوازل القدر هوت عليه فاختطفت نفسه من بين جنبيه لكان له مصابها رأي غير رأيه في هذا المصاب ،
فقد سكن على أثر ذلك سكونا لا تطرف فيه عين ، ولا ينبض فيه عرق ، ولا يخفق قلب ، ولا يتحرك خاطر ، حتى ليكاد يعتقد الناظر إليه في تلك الساعة أن هناك منزلة وسطى بين الحياة والموت تنبعث فيها الحواس في سبلها ، ولكنها لا تعود إلى الدماغ بشيء مما تحس به .
واستمر على ذلك ساعة ، ثم انتفض انتفاض الطائر المذبوح ، ودار بعينيه يمنة ويسرة كأنما يفتش عن شيء أضاعه ، فوقع نظره على الكتاب وهو ملقى بجانبه ، فقرأه مرة أخرى ، ثم ضرَبَ جبهته بيده وأنشأ يقول بصوت خافت : لا أمل لي بعد اليوم ، ها أنا ذا ، وها هو ذا الكتاب بين يدي ، ما أنا بحالم ، ولا الكتاب بكاذب ، نعم إن مولر طردني من بيته ، وقتل نفسي قتلا ، وفجعني في جميع آمالي ،
وحال بيني وبين ماجْدولين ؛ أي إنه فرَّقَ بين روحي وجسدي ، إنه فعل ذلك وهو لا يدري ماذا يفعل ،
إنه اجترم هذه الجرائم كلها ساكنا هادئا كأنما هو يعبث بفأسه في أرضه ، أو يحول جدوله من طريق إلى طريق ،
لقد قسَا عليَّ قسوة لم يقسها أحد من قبله على أحد ، إنه علم أني فقير لا أملك شيئا ، ورأى أن الفقر جريمة لا عقاب لها إلا القتل ،
فقتلني .
ثم كأنما جن جنونه فثار من مكانه ثورة الأسد الهائج ، وتمثل له كأن مولر ماثل بين يديه ، فمشى إليه مهددا ، وصار يهذي ويقول : مهلا ، رويدا أيها الشيخ الأبله ، أظننت أني بين يديك شاة خرقاء أو دجاجة بلهاء تقدم نفسها لسكين الذابح حينما يريد ؟
لا لا !\ أنا إنسان عاقل ، ورجل شجاع ، لا بد أن يكون لي أمل أحيا به ، وسعادة أنعم بها ، ولا بد أن أقاتل عن أملي وسعادتي حتى أبلغهما أو أُقتَل دونهما .
كذبت أيها الرجل ، إنك أضعف من أن تمد يدك إلى هذا الرباط المقدس فتقطعه ، إنك أعجز من أن تنتزع شعرة من شعر رأسك الأبيض ، فأحرى أن تعجز عن أن تنتزع روحا من جسدها .
إن الذي بيني وبين ماجْدولين شيء لا تصل إليه يدك ، ولا يمتد إليه سلطانك ، ولا يتعلق به أمرك ونهيك ، وعطاؤك ومنعك .
إنك تستطيع أن تطردني من بيتك ؛ لأنك تملكه وأن تحبس ابنتك في غرفتها لأنك أبوها ، ولكنك لا تستطيع أن تمنع قلبينا أن يتحابا ، ونفسينا أن تتصلا .
إن الذي خلق الإنسان وأسدى إليه نعمة الحياة والرزق لم يَسْتَرِقَه بهذه النعم ، ولم يملك عليه قلبه ثمنا لها ، بل تركه حرا يحب من يشاء ، ويبغض من يشاء ، وأنت تريد أيها الشيخ الضعيف المسكين أن يكون لك على قلوب الناس سلطان فوق سلطان الله ، وإرادة فوق إرادته .
أي شأن لك عندنا ؟ وأي صلة لك بنا ؟
لقد ذهب عصرك وذهبْتَ بذهابه ، وأصبحنا لا نعد وجودك وجودا ، ولا حياتك حياة ، فإن نظرنا إليك فكما ننظر في ساعة من ساعات فراغنا إلى صفحة من صفحات التاريخ الغابر .
إن عقلك الذي بُلِيَ ورَثَّ وانتشر فوقه طبقة سوداء من القِدَم ، لا يصلح أن يكون مرآة صادقة نرى فيها وجوهنا ، ونَتحاكم إليها في سعادتنا وشقائنا .
إنك شَرِه طماع ، رأيت أن ماء حياتك قد نضب ، وأن أغربة الفناء السود تحلق فوق رأسك المشتعل شيبا ، فعز عليك أن تموت ، فجئت إلينا تحاول أن تقاسمنا حياتنا الجديدة الغضة ،
فكان مثلك كمثل ذلك الملك الظالم الذي كان يمتص دماء الأطفال ظنا منه أن ما ينقص من حياتهم يزيد في حياته .
إنني لم أكن أريد بك أيها الشيخ المأفون ولا بابنتك شرا ولا ضيرا ، بل كنت أعد لها عيشا هنيئا رغدا في مستقبل حياتها ؛
فأنا خير لها منك ؛ لأنك ما أردت بها فيما صنعت اليوم إلا عذابا دائما وشقاءً طويلا . وأعجب من ذلك كله أنك تذكر في كتابك الصداقة والإخاء والإخلاص ، كأنك تظن أن البله قد بلغ مني مبلغه منك ، وأني أجهل أنك شيخ مُدَاج مصانع ،
تكتب الحكم بالإعدام وكأنك تكتب بطاقة دعوة إلى وليمة ، وتقدم قطعة الحلوى وقد دسست في باطنها ناقع السم ،
وترفع قبعتك احتراما لمن يقطر خنجرك من قلبه دما .
وهنا بلغ منه التعب مبلغه ، فسقط مكبا على وجهه ، يبكي بكاء الطفل الصغير ، وينشج نشيجا محزنا ،
ثم جثا على ركبتيه ورفع وجهه إلى السماء وأنشأ يقول : رحمتك اللهم وإحسانك ، فأنت تعلم أني رجل ضعيف لا ناصر لي ولا معين ، فكن أنت ناصري ومعيني ،
اللهم إني أعترف بأني أَذْنَبْتُ إليك في اغتراري بنفسي ، واعتدادي بحولي وقوتي ، وأني أغفلت قضاءك وقدرك ، وما تجريه على عبادك من أحكام السعادة والشقاء ، والسلب والعطاء ، فقدرت لنفسي من سعادة المستقبل وهَنائه ما لا أملكه ولا سبيل لي إليه إلا بمعونتك وقوتك ،
فاغفر لي ذنبي ، وخذ بيدي في نكبتي ، فقد أصبحت أعجز الناس عن الصبر والاحتمال .
ثم سكن بعد ذلك سكونا عميقا ، ولم يزل باسطا يديه رافعا رأسه إلى السماء ، كأنما كان ينتظر أن يسمع هاتفا يهتف به من الملأ الأعلى ،
فلم يلبث أن رأى من خلال دموعه الحائرة في عينيه شبحا من نور يتلألأ أمامه ،
وكان المصباح قد انطفأ وأضاءت الغرفة بأشعة القمر ، فمسح دموعه بيمينه ونظر ، فإذا هي ماجْدولين .
(23)
) الوداع )
لبثت ماجْدولين في غرفتها بعد أن فارقها أبوها ساعة تقلب النظر في أمرها ، فلا ترى في ذلك الظلام الحالك نجما يتلألأ ولا ذُبالة تضيء ،
فبكت ما شاء الله أن تفعل حتى مضى الليل إلا أقله ، فحدثتها نفسها بأمر ما كانت تحدثها به لولا لوعة الحب ، وفجعة البين ،
وقامت تختلس خطواتها اختلاسا وما على وجه الأرض قلب أضعف من قلبها ، ولا لوعة أشد من لوعتها ، حتى وصلت إلى السلم ، فصعدت تسترق درجاته حتى انتهت إلى أعلاه ،
فوقفت قليلا تستغفر الله من ذنبها ، وتسأله إحسانه ورحمته ، ثم مشت إلى غرفة استيفن ودفعت الباب قليلا ، فرأته جاثيا على ركبتيه يهتف بدعائه ، فأثر منظره في نفسها ،
وأخذت تبكي لبكائه ، وتدعو بدعائه ، حتى التفت فرآها ، فخفق قلبه خفقا متداركا ، وتعلقت أنفاسه ، وجمد نظره ، وتزايلت أوصاله ، حتى ما يكاد يتحرك من مكانه ، ولا
فمد إليها يده كالمستغيث المتلهف ، فدنت منه وقالت : إني جئتك لأودعك يا استيفن ولا أستطيع أن أبقى عندك طويلا ، فهل تستطيع أن تعدني وعدا صادقا ألا تترك نفسك في يد الهموم تعبث بها كيف تشاء ، وألا تجعل لليأس سبيلا إلى قلبك حتى يجمع الله بيني وبينك ؟
قال : ذلك أمره إليك ، فأنت التي تستطيعين أن تجعليني شجاعا صبورا محتملا ، وأنت التي تملكين أن أحيا بالأمل ، أو أموت باليأس .
قالت : إني أقول لك اليوم يا استيفن كلمة كان يمنعني الحياء أن أقولها لك قبل اليوم ، وهي أني أحببتك حبا ملأ فراغ قلبي ، فما يسع غيره ،
ونزل منه منزلة الروح من الجسد ، فما ينتقل عنه ، وقد عاهدتك على الزواج بين يدي الله ويدي ضميري ، وما أنا بخائنة ضميري ، ولا بكاذبة ربي ، فسافر يااستيفن وفتش عن سعادتنا في كل مكان ، وبكل سبيل ،
حتى تجدها ، وعد إليَّ بعد ذلك ، فإني سأكون لك ما حييت ، سافر حيث شئت ، وتقلب في البلاد كما أردت ، وعد إليَّ بعد عام أو عامين أو عشرة أعوام أو أكثر من ذلك ،
فإنك ستجدني كما تركتني نقية طاهرة ، ووفية مخلصة ، واعلم أن الله ما ألهمني الصبر عنك وألهمك مثل ذلك في مثل هذا الموقف الذي تطيش فيه العقول وتطير رواجع الأحلام ، إلا وقد أراد بنا خيرا في جميع شئوننا ،
سافِر غدا يا استيفن ، واكتب إليَّ بكل ما تلاقي من خير أو شرّ لأقاسمك سراءك وضراءك ، وسأكتب إليك كما تكتب إليَّ .
فسكت ثائره قليلا ، وقال : إن سفري سيكون طويلا يا ماجْدولين ، فهل لك أن تزوديني بقليل من الزاد أستعين به على بُعد الشُّقَّة وعناء المسير ؟
فمدت يدها إلى شعرها وقصت منه خصلة ، فأعطاها من شعره مثلها ، ثم تراجعت قليلا قليلا وهي تنظر إليه بعين ملؤها الحب والجزع ، والصبابة والدموع ،
فقام إليها ليدركها فاختفت .
(24)
) السفر )
استيقظ استيفن صباح يوم الرحيل وأطل من نافذة غرفته المشرفة على الحديقة فرأى الأفق يتفتح عن نفسه شيئا فشيئا ، ورأى الشمس قد هبت من مرقدها ،
ولا تزال في جفنها سِنَة الغمض ، ثم رآها وقد لبست ثوبها الأول وخطت بعض الخطوات إلى مطلعها ، فمشت أمامها حاشية من الأضواء تتقدمها كما تتقدم الملك حاشيته في مطلعه من باب قصره ،
ثم نظر إلى السماء من ناحية المشرق وقد انتشرت في أنحائها تفاريق السحب ، ومشت في جلدتها حمرة النور ، فخيل إليه أنه يرى هنالك برجا عظيما تضطرم فيه النار اضطراما ، وأن دخان تلك النار يتراكم فوقها مرة ، ويفرج عنها أخرى ،
ثم رأى أشعة الشمس البيضاء تخالط حبات الطل في أوراق الزهر ،
والطل لم يجر ذائبه ، فكان كأنه يرى أحجارا من الماس تضيء فتنعكس عنها ألوان مختلفة بديعة تملك القلوب والأبصار ،
ولم يكن يسمع في تلك الساعة من الأصوات غير طنين النحل وهو مكب على أزهاره يرشف كئوسها ، ويتطاير من حولها كما تتطاير الأحلام اللذيذة حول أفواه الأطفال الصغار .
فألقى على تلك المناظر كلها نظرة عامة لم يسترجعها إلا مبللة بالدمع حينما ذكر أنه سيفارق عما قليل هذه الدار ، ويفارق بفراقها سعادته وهناءه ، ويفارق ظلال الزيزفون التي كان يجلس إليها مع ماجْدولين ،
والجدول الذي كانا يمشيان بجانبه ، والزورق الذي كانا يتنزهان فيه ، والمقعد الذي كان يقتعده من الحديقة لينظر مجيئها ، أو ليرى خيالها من نافذة غرفتها ،
والغرفة التي كان يشرف من نافذتها ليسمع نغمات صوتها العذب ، وطاقات الزهر التي كانت تهديها إليه فيستروح منها نسيمها ، فلم يزل يبكي بكاء الشيخ على عهود صباه حتى كادت تتلف نفسه ،
ولولا أنه ذكر حديثها معه ليلة أمس فعزى نفسه عن فراقها بإخلاصها ووفائها وما عقدت بينها وبينه من العهود لقضى في مكانه أسفا ، ثم قام إلى حقيبته فوضع فيها ملابسه ومرافقه ، ونزل إلى الحديقة فودع أزهارها وأشجارها ، ومجالسها ومقاعدها ، ولم يترك جذْعا لم يُقبِّله ، ولا غصنا لم يلثمه ، ولا مقعدا لم يمرغ خده فوقه ويبلله بدموعه ، ونقش اسمه واسم ماجْدولين على كثير من المقاعد والجذوع ، واقتطف من كل شجرة زهرة ، وجمع تلك الأزهار في طاقة واحدة ، وتركها على بعض المقاعد لماجْدولين ، ثم ذهب إلى البستاني واتفق معه على أن يحمله على فرسه إلى كوبلانْس بين وَجْد يقتله ، وأمل يحييه . وِلْفَاخْ ثم فارق .
(25)
) من ماجْدولين إلى استيفن )
سافرْتَ يا استيفن وأصبحت بعيدا عني ، وما أحسب أني أراك في عهد قريب ، فما أعظم بؤسي وشقائي !
وما أشد ظلمة الوحشة المحيطة بي ! لقد خدعت نفسي يوم أشرت عليك بالسفر ، فقد ظننت أن بين جنبي ذخيرة من الصبر والاحتمال أقوى بها على تجرع كأس فراقك المريرة ، فلما فقدت وجهك علمت أني فتاة ضعيفة بائسة ، لا تقوى على احتمال أكثر مما تطيق من الآلام والأحزان ، وأنني فيما أدليت به إليك من تلك النصيحة إنما كنت أحدث عن خواطر عقلي لا عن شعور نفسي .
لقد كنت أرجو أن يكون آخر عهدي بك يوم رحيلك وقفة أقفها في نافذة غرفتي أحييك فيها تحية الوداع ، وألقي عليك فيها آخر نظرة من نظرات الحب ،
لولا أنني خفت عليك الجزع أن تراني باكية ، وعلى نفسي التلف أن أراك جازعا ، فافتديتك نفسي بهذه اللوعة التي تتأجج اليوم في صدري ، فما أصعب الوداع ! وما أصعب الفراق بلا وداع !
نزلت بعد سفرك إلى الحديقة فلم أجدك ، ووجدت على بعض مقاعدها طاقة الزهر التي تركتها لي قبل سفرك ، فلثمتها ولثمت شخصك فيها ، ثم مشيت إلى ذلك المقعد الذي كنا نجلس عليه معا تحت شجرة الزيزفون فجلست فيه وحدي ،
ونشرت بين يدي رسائلك الماضية ، وأنشأت أقرؤها وأصغي إلى حديثك فيها ، فخيل إليَّ أنك جالس بجانبي تحدثنيفما لفم ، وأن ما يقع عليه نظري في صفحات رسائلك إنما هي نبرات تسمعها أذني ، لا خطوط تبصرها عيني ،
فسكنت لذلك الخيال ساعة سكون الطفل الباكي لنشيد المهد ، وهي تلك الكلمة الحلوة العذبة ، يا خطيبتي : حتى سمعتك تدعوني في بعض أحاديثك التي تهبط حلاوتها إلى أعماق قلبي كلما سمعتها ،
فانتفضت وألقيت نظري على مكانك الذي تخيلته بجانبي فوجدته خاليا ، فعلمت أن تلك الساعات الجميلة التي مرت بنا تحت هذه السماء الصافية ، وفوق تلك المقاعد الجميلة ، وبين مشتبك هذه الغصون والأوراق ، قد ذهبت ولم يبقَ لي منها غير ذكراها ، فبكيت ساعة طويلة لا علم لي بمداها ،
ثم استفقت فصعدت إلى غرفتي ، وجلست إلى منضدتي أكتب إليك هذا الكتاب .
ومتى تعود بعودتك تلك الأيام الحسان ؟ ! فمتى تعود يا استيفن ؟
(26)
) من ماجْدولين إلى استيفن )
لقد كابدت بالأمس ليلة ليلاء ، فلم ينحدر كوكب الشمس إلى مغربه حتى سمعت صوت العاصفة يهدر في كل مكان ، ورأيت آفاق السماء قد ارْبَدَّت واقشعرت ثم ارفضت عن غيوثها المنهلة ،
فذكرت أنك لا تزال على الطريق ، وأنك تقاسي في تلك الساعة من عثرات الطريق وعقباته وقَفْقَفة البرد ورعشته عناء عظيما ، فالتحفت ردائي وأويت إلى بعض زوايا غرفتي ، وظللت أبكي على فراقك مرة وعلى شقائك أخرى ،
وأذود النوم عن عيني ذيادا ؛ لأنني لا أستطيع أن أكون راضية عن نفسي ولا هانئة في مضجعي إن نمت في ساعة لا تجد فيها أنت إلى الراحة سبيلا ،
حتى مضى الليل إلا أقله ، فشعرت أن النعاس الذي كان يغالب جفني قد غلبني عليهما ، فنمت في مكاني نوما مشردا مذعورا ، حتى استيقظت مع الصباح ، فإذا الريح ساكنة ، والشمس ساطعة ، والجو باسم طلق ، فحمدت الله على ذلك .
إني أعد الساعات واللحظات يا استيفن منتظر بشوق عظيم وصول أول كتاب منك يبشرني ببلوغك مستقرك سالما ، فمتى يأتي كتابك إليَّ ؟
(27)
) من ماجْدولين إلى استيفن )
لم تكفِ الأربعون ساعة التي مرت بي لتخفيف شيء من همومي وأحزاني ، فلقد قضيتها حائرة الذهن ، مشردة اللب ، أقلب عيني في كل مكان فلا أجد في بارقة من بوارق الحقيقة ولا سانحة من سوانح الخيال عزاء ولا سلوى ، فصعدت إلى غرفتك المهجورة عَلَّنِي أجد في مقامي بها ساعة علاج ما أكابده من هموم وأحزان ،
فلما بلغتها ووضعت يدي على مفتاحها شعرت برعشة شديدة ملأت ما بين قمة رأسي إلى أخمص قدمي ، فلقد خُيِّلَ إلَيَّ أنني إن فتحت هذا الباب وجدتك وراءه واقفا تبتسم إليَّ ، وتفتح ذراعيك لاستقبالي ، فلما فعلت لم أجد غير الوحشة السائدة ، والسكون المخيم ، وغير سريرك المشعث ، وأوراقكالمبعثرة في كل مكان ، والغبار المنتشر في أرضها وسمائها ،
فمهدت ما تشعث ، وجمعت ما تبعثر ، ومسحت الغبار عن المقاعد والنوافذ ، وأعدت الغرفة إلى عهدها الأول أيام كنت تسكنها وتزينها ، كأنما أبيت إلا أن تكون هي غرفتك المعدة لك ، المسماة باسمك ، حاضرا كنت أم غائبا .
ووجدت على بعض المقاعد بضعة دراهم في كيس صغير ، فعلمت أنها أجرة الغرفة التي يتقاضاها أبي قد تركتها له ليأخذها من حيث لا تراه ، فأخذتها لأحملها إليه ثم أستوهبه إياها لأبتاع بها حلية أو ذخيرة أتقلدها كأنها هدية مرسلة منك إليَّ .
يا استيفن ، سأحمل نفسي على الصبر عنك ، حتى يطوي القدر مسافة البعد بيني وبينك ، وستكون تعلتي التي أتعلل بها منذ الساعة كلما هاج بي هائج الشوق إليك .
أنك ما بعدت عني إلا لتقترب مني ، ولا فارقتني إلا لأنك آثرت اجتماعا آمنا طويلا على اجتماع مشرد غير مأمون ، فامض في سبيلك أيها الصديق المحبوب ،
وذلل بهمتك جميع العقبات التي تعترض سبيل سعادتنا وهنائنا ، حتى نلتقي بعد ذلك لقاء تنسينا حلاوته مرارة ذلك الماضي المحزن الوبيل .
(28)
) من استيفن إلى ماجْدولين )
بالأمس كنا ، وكان يجمعنا بيت واحد ، لا يكدر صفاءنا فيه مكدر ، واليوم نحن وبيني وبينك خمسون فرسخا ، لا تمس يدي يدك ، ولا تعبث أناملي بشعرك ،
ولا أستنشق عبير أنفاسك ، ولا يرن صوتك العذب في جوانب قلبي ، ولا تضيء ابتساماتك الجميلة ظلمات نفسي ،
ولا تلتقي أنظارنا في مكان واحد ، ولا تمتزج أنفاسنا في جوّ واحد ، فلا السماء صافية كعهدي بها ، ولا الجو باسم طلق كما أعرفه ، ولا الماء صاف عذب ، ولا الهواء رقراق عليه ،
ولا الروض متفتح عن أزهاره ، ولا الزهر متنفس عن عبيره ، كأنما كنتِ سر الجمال الكامن في الأشياء ،
فلما خلت منك أقفرت واقشعرت ، ونَبَتْ عنها العيون والأنظار .
ولقد لقيت في كوبلانسأبي وأهلي وكثيرا من أبناء وطني فلم يُغنِ لقاؤهم عن لقائك ، ولم أجد في وجودهم ذلك الأنس الذي كنت أجده فيها قبل أن أعرفك ،
فأصبحت أشعر في مقامي بينهم بما يشعر به الغريب المُنْبَتُّ الذي يعيش في وطن غير وطنه ودار وأهل غير داره وأهله ، فمتى تنقضي أيام غربتي ؟
ومتى أعود إلى أهلي ووطني ؟
قد أحزنني كثيرا ما تكابدينه من الآلام والأحزان من أجْلي ، ولو كشف لك من أمر نفسك ما كُشف لي منها لعرفت أنك أسعد مني حظا ، وأروح بالا ؛ لأنك تعيشين في المواطن التي شهدت سعادتنا وهناءنا ، والتي نبتت في تربتها آمالنا وأحلامنا ،
فكل ما حولك يذكرك بحبك ، وأيام سعادتك ، أما أنا فكل ما حولي غريب عني ، أنكره ولا أكاد أعرفه ، كأنما هو مؤتمر بي أن ينتزع مني ذكرى تلك الأيام الجميلة التي قضيتها بجانبك ،
وهي كل ما أصبحت أملكه من بعدك .
سأكون شجاعا كما أمرت يا ماجْدولين ، وسأبذل جهدي في تذليل كل عقبة تقف في طريق سعادتي بك ، فاكتبي إليَّ كثيرا ، وحدثيني عن كل ما يحيط بك من الأشياء ، وما يعرض لك من الشئون صغيرها وكبيرها ؛
ل أجد على البعد عنك لذة القرب منك ، واجعلي حبك عونا لي على مقاصدي وآمالي ، فحبك هو الذي يحييني ، وهو الذي من أجله أعيش وأبقى .
(29)
) حفلة رقص )
أقام والد استيفن حفلة رقص في بيته وأمر ولده أن يشهدها ، ولم يكن قد شهد حفلة رقص قبل اليوم ،
فأذعن على كره منه ، فلما اجتمع الجميع وماجت قاعة الرقص بالراقصين والراقصات ، وقف استيفن موقف الحيرة والخجل أمام هذه المناظر المدهشة الغريبة ، لا يدري ماذا يفعل ، وأي سبيل يأخذ ؟
وخيل إليه أن هناك قانونا موضوعا للحركات والسكنات والجيئات والروحات ، وأن من أغفل حرفا واحدا من حروف ذلك القانون أخذته العيون ، ودارت به الأنظار ، ورنت حوله ضحكات الهزء والسخرية ، وكان لا بد له من أن يخرج من موقفه هذا إلى أية حالة من الحالات ، كيفما كان شأنها ،
فلمح على البعد شمعة يتضاءل نورها بين الشموع المحيطة بها ، فخطر له أن يتلهى بإصلاح ذبالتها ، فمشى إليها يتخبل في ثيابه تخبلا ؛ لأنها لم تكن ثيابه ، بل ثياب بعض أقربائه أعاره إياها هذه الساعات من الليل وصاحبها أطول منه قامة ، وأضخم جسما ،
فلما داناها رأى أن ذبالتها قد التوت على نفسها فطالت واسودت وغرقت في الدهن المحيط بها ، فبدا له أن يقرض أعلاها ليصفو أسفلها ثم يمسح الدهن السائر حولها ، فما هو إلا أن مد يده بالمقراض إليها حتى انطفأت وتطاير دهنها إلى ثوبه فانتشر في أنحائه ،
فجمد في مكانه جمود المقراض في يده ، واستحال إلى تمثال مضحك ماثل بين أعمدة الشموع ، لا يستطيع أن ينقل قدميه حياءً وخجلا ، فوقع ما كان يخافه ، وعقدت حوله الأنظار نطاقا ، ومشت البسمات والغمزات في الأفواه والعيون ، ومر به في موقفه هذا أحد الظرفاء المتأنقين وكان لا يعرفه فأسر في أذنه ،
— أمَا تعلم يا سيدي أن إصلاح الشموع في الحفلات عمل غير لائق ؟
وسمع فتاة تقول لصاحبتها وقد وقفتَا به : ما أجمل زركشة هذا الثوب .
فأجابتها الأخرى : إنه آخر طرز في الكرنفال : .
فلم يجد بدا من النجاة بنفسه ، ففر من مكانه هاربا لا يلوي على شيء حتى دخل بعض القاعات الخالية وجلس على مقعد فيها يمسح بشفرة المقراض ما تناثر على ثوبهمن الشمع ،
فلحق به أبوه بعد قليل وقال له : ما بقاؤك هنا وحدك يا استيفن ، قد حضرت أسرة البارون ولا بد لك من مقابلتها والبقاء معها حتى تنصرف .
فامتعض في نفسه وتثاقل في مكانه ؛ لأنه عرف ما يُراد منه ، فألح عليه أبوه فأذعن ، ومشى استيفن إلى مكان هؤلاء القوم فحياهم وحيا تلك الفتاة التي يريدون خطبتها له تحية جامدة لا تشبه تحية الخطباء ولا المحبين ، بل لا تنقص عن تحية المتنافرين المتناكرين إلا قليلا ،
ثم لم يلبث أن وجد السبيل إلى الخلاص منها فانفتل من مكانه وخرج إلى فضاء الحديقة ، وجلس على بعض مقاعدها ينقم على المحافل والمراقص وما ضمت بين أطرافها من رذائل وشرور ويقول : ويل لهؤلاء القوم المرائين الكاذبين ، يفسقون ويزعمون أنهم يرقصون ، ويقترفون صنوف السيئات والآثام ويقولون إنهم يغنون أو يطربون ،
ووالله ما اجتمعوا إلا ليخطف العاشق معشوقته من يد زوجها أو أخيها أو أبيها حين أعيته الوسائل إليها ، أو لتفتش الزوجة التي ملت زوجها وسئمته عن عشير جديد غير مملول ، أو ليلقي الأب بابنته العانس الشوهاء بين ذراعي فتى من الفتيان الأغرار يرجو أن يعميه الشغف الحاضر بها عن النظر إلى عيوبها فيقع في حبالتها ،
ويصبح على الرغم منه زوجا لها .
إن كانوا يريدون الغناء فلِمَ لا يغنون إلا راقصين ؟ أو الرقص فلِمَ لا يرقص الرجل إلا مع امرأة ولا ترقص المرأة إلا مع رجل ؟
ثم لا يرقصون إلا متلاصقين متماسكين ، كأنهم بين جدران مخادعهم ، أو وراء أستار نوافذهم وأبوابهم . من لهذا الزوج الغبي الذي يلقي بزوجته عارية الصدر والظهر والذراعين والكتفينبين ذراعي فتى جميل ساحر يلاصقها ويخاصرها ويقلبها بين يدي شهواته ما شاء ، أن تعود إليه ساعة تعود بالعقل الذي ذهبت به ،
وبالقلب الذي كانت تحمله بين أضالعها ؟
ومن لهذا الأب الأبله المأفون الذي يتبرم بابنته ويستثقل مكانها منه فيقذف بها بين مخالب هذه الوحوش المفترسة ، ألَّا تعود إليه بعد قليل حاملة مع همها الأول همين آخرين : عارا على رأسها ، وجنينا في أحشائها ؟
إنهم يُقَوِّدُون على أنفسهم من حيث لا يشعرون ، ويمزقون أعراضهم بأيديهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
ولم يزل يهتف في نفسه بأمثال هذه التصورات الغريبة حتى انصرف الناس ، فلم يحضر انصرافهم كما لم يحضر اجتماعهم ، وكان أبوه قد أشار إلى جماعة من أهل بيته وخاصة أصدقائه أن يتخلفوا ففعلوا ، فلما خلا بهم المكان دعا استيفن له على مشهد منهم
وقال له أمامهم : قد كنت دعوتك إلى مصاهرة هذه الأسرة منذ عام ودللتك على مكان الخير لك في هذه الصفقة الرابحة ، فأبيت واستعصيت وفررت مني راكبا رأسك إلى حيث لا أعلم لك مذهبا ،
فلما عدت في هذه المرة ظننت أنك قد أذعنت وأصحبت وفهمت معنى الحياة كما يفهمها الناس جميعا فجئت تطلبها من الطريق التي يطلبونها منه ،
فأَقَمْتُ هذه الحفلة الراقصة ، وأنفقت في سبيلها ما لا طاقة لي باحتماله ، لا أريد بها إلا أن تكون موضع الصلة بينك وبين تلك الفتاة التي اخترتها لك ، والخطوة الأولى إلى خطبتها ،
فأبيت إلا تمردا وعنادا ، كأنما ظننت أنني باق لك بقاء الدهر ، أكفلك وأقوتك ، أو خيل إليك أن هذا العلم الذي تدل به وتعتز بمكانك منه منجم من مناجم الذهب يخرج لك ما يقوتك اليوم ويقوت من وراءك من بنيك وأهل بيتك غدا ،
فإن كان هذا ما ذهبت إليه فاعلم أن ثروتي لا تتسع لأكثر من أيام حياتي ، ولا تتسع في حياتي لأكثر من الإنفاق عليك طفلا وغلاما وفتى ، ثم أنت وشأنك بعد ذلك ،
وأن هذه الفنون الأدبية التي هي كل ما تملك يدك في هذه الحياة ما صلحت أن تكون في زمن من الأزمان وسيلة من وسائل الرزق ، ولا سببا من أسباب العيش ،
ولن تكون كذلك أبد الدهر ؛ لأن السعادة حقيقة من الحقائق لا يتوصل إليها من طريق الخيال ، فإن أردت لنفسك الخير فدونك الرأي الذي رأيته لك —وأنت أعلم به ، أو لا ؛ فدونك الأرض الفضاء فامْشِ في مناكبها ما شئت ،
واطلب لنفسكالرزق من الوجه الذي تعرفه ، فقد أصبح وجودك في منزلي على حالتك هذه من البطالة والفراغ عارا عليَّ وعلى أهلك بل عارا على نفسك إن كنت من الشاعرين !
ثم التفت إلى القوم وقال لهم : ها أنا ذا قد أشهدتكم عليه ، وبرئت إليه وإليكم وإلى الله من ذنبه ، فلا معتبة عليَّ بعد اليوم .
فقال أحد أقربائه : إني لم أر في حياتي جنونا مثل هذا الجنون لعله سقط في هُوَّة من هوى الغرام ، فلا مناص له من الارتباط في قعرها حتى الموت .
وقالت زوج أبيه: لعله أَحب عروس الشعر فغَنِيَ بها عن كل عروس سواها .
وقال عمه : قبيح . بالفتى أن يكون في سن كهذه السن حاملا فوق كاهله قوة كهذه القوة ، ثم يرضى لنفسه أن يكون عالة على قومه وذويه .
واختفى من وجهه ذلك الفتى الحيي الخجول ، فطار طائر الحلم من رأس استيفن الذي كان يذوب منذ ساعة خجلا أمام النظرات واللفتات ، وحل محله رجل هائل جبار لا يخشى أحدا ولا يبالي شيئا ، فرفع رأسه ونظر إلى الجميع نظرة شزراء ذهلت لها أنظارهم ، وخفقت لها قلوبهم ،
ثم التفت إلى أبيه وقال له : إني لا أعتب على واحد من هؤلاء ؛ لأنهم سمعوك تغني فضربوا على نغمتك ، أما أنت فإني أقول لك : نعم إنك قد أحسنت إليَّ فيما مضى كما تقول ، ولكن لا يجمل بك أن تَمُنَّ عليَّ بإحسانك هذا ،
ولا يجمل بي أن أشكره لك ، أو أثني عليك به ؛ لأنك أب ، وللأبوة ثمن لا بد لك من أدائه ،
واحتمال المئونة فيه ، على أنك لم تمنحني في يوم من أيامك الماضية عطفك ولا رحمتك ، ولو فعلت لكان ذلك خيرا لي من كل ما أسديت إليَّ من صنوف البر والمعروف ،
بل كان شأْنك معي في كل آناء حياتكشأن رجل عابرِ سبيل وجد في طريقه طفلا ملففا في قماطة مطرحا تحت جدران بعض المنازل أو على باب إحدى الكنائس فالتقطه وكفله منة ، وإحسانا لا رحمة وحنانا ، فقد أبعدتني عنك أنا وأخي مذ ماتت أمي ،
وبنيت بزوجتك الحاضرة قبل أن أبلغ السابعة من عمري ، ووضعتني في حجور قوم لا تجمعني بهم جامعة محبة ، ولا تعطفهم عليَّ آصرة رحم ، ولم أجد فيهم من يذكرني بك ،
أو يحببك إليَّ ، أو يحدثني عنك حديثا واحدا ، وكنت كلما عدت إليك في أيام إجازتي من العام إلى العام استقبلتني بالوجه الذي تستقبل به أبعد الناس عنك ،
وأصغرهم شأنا عندك ، فلا تختصني بكلمة طيبة ، ولا تؤثرني بنظرة رحمة ، ولا تسهر عليَّ في مرض ، ولا تتفقدني في شدة ، ولا تبسم للقائي ، ولا تحزن لفراقي ،
وكثيرا ما سهرت الليالي ذوات العدد أندب حظي عندك ، وأضرع إلى الله — تعالى ، أن يدني قلبك من قلبي ، ويرزقني حبك وحنانك ، فلم يستجب دعائي ،
فاستوحشت نفسي من نفسي ، وغلبت على طبعي هذه النفرة التي لا تزال ملازمة لي حتى اليوم ، ولولاك لما كنت نفورا ولا مستوحشا ، وقَسَا قلبي القسوة كلها فأصبحت لا أعطف على أحد ولا أحب أحدا ؛
لأني لم أتعلم العطف ولا الحب من أحد ، ولما لم أجد في الناس من أحبه وأصطفيه أحببت نفسي وحريتي واصطفيتهما وآثرتهما على كل شيء في العالم ، فلا أحتمل أن أرى من ينازعني فيهما ،
أو يغالبني عليهما . إن حياتي لي ، وأنا صاحبها الذي أتولى شأنها ، فلا سلطان لأحد غيري عليها ، ولا شأن لكائن من كان فيها سواي ،
فلا أسير في طريق غير الطريق التي ترسمها يدي ، ولا أبني مستقبل حياتي على أساس غير الأساس الذي أضعه بنفسي ، ولا أحب إلا الفتاة التي أحبها أنا ،
لا التي يحبها الناس لي ، ولا أعاشر إلا المرأة التي أقيس سعادتي معها بمقياس عقلي ، لا بمقياس عقول الآباء والأعمام .
فهاج القوم عليه هياجا عظيما ، وصرخ أبوه في وجهه ، وثَاوَرَهُ عمه يريد الفتك به ، وتناولته بقية الألسن بالشتم والسب ، فلم يَأْبَهْ بذلك كله ، ولم يتزلزل من موقفه ، واستمر في حديثه يقول : بأي حق تريدون أن تسلبوني حريتي وتملكوها عليَّ ؟
أبحق العطف الذي بذلتموه لي فيما مضى ، وما عرفت بينكم محبا لي ولا راحما ؟
أم بحق الكرامة والبُقْيَا ، وقد كنتم جميعا تضربونني صغيرا ، وها أنتم أولاء اليوم تشتمونني كبيرا ؟
إني قائل لكم جميعا كلمة لا أقول لكم غيرها بعد اليوم : إني لا أحب إلا من يحبني ، ولا أُكرِم إلا من يكرمني ، ولا أذعن إلا لرأيي وإرادتي ، ولا أبيع حياتي وحريتي بثمن من الأثمان مهما غلا .
إني لا أطلب منكم مالا ولا معونة ، ولا أشكو إليكم فقرا ولا عدما ، وسأرسم لنفسي بنفسي خطة حياتي ، فإن قدر لي النجاح فيها فذاك ،
أو لا ، فحسبي من السعادة أنني قضيت أيام حياتي حرا طليقا ، لا سبيل لأحد عليَّ ، ولا شأن لكائن من الكائنات عندي حتى يوافيني أجلي ، وهذا فراق ما بيني وبينكم .
ثم انفتل من بين أيديهم وهرع إلى غرفته ، فبدل ثيابه ، وتناول حقيبة ملابسه وخرج هائما على وجهه يخترق أحشاء الظلام ، حتى خرج إلى ضاحية المدينة ، فتبعه فتى من أبناء أخواله كان قد ألم ببعض قصته ، فقال له : أين تريد يا استيفن ؟
قال : إلى حيث أرسلني أهلي .
فبكى قريبه مرثاة له مما هو فيه وقال له : وا رحمتاه لك أيها البائس المسكين !
ثم دس له بضع قطع من الذهب في جيبه لم ينتبه لها استيفن إلا بعد ذهابه ، فشكرها له في نفسه .
ثم مضى لسبيله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق