(10)
) من سوزان إلى ماجْدولين )
كنا على أن نزورك في قريتك يا ماجْدولين أنا ووالدي فحدث حادث حال بيننا وبين ذلك :دعانا أحد الأصدقاء لزيارته في بلدته — وهي على بعد ثلاثة فراسخ من قريتنا ولا تبعد عن قريتك إلا قليلا —
فذهبنا إليه صبيحة يوم وقضينا في منزله عدة ساعات حتى إذا زلفت الشمس عن كبد السماء خرج القوم إلى الخلاء للتنزه في غاباته وأجماته ، وأنت تعلمين فيما تعلمين من أمري أنني لا أجد في نفسي تلك اللذة التي يجدها الشعراء المتخيلون في جمال الطبيعة وحسنها ، وبهجتها وروائها ،
ولا أغتبط بما يغتبطون به من منظر الغاباتو الأحراش والجبال والآكام ، ولا أطرب لخرير الماء ، ودوي الريح ، وهزيم الرعد ، وحرارة الشمس ، ووعث الطريق ، وخشونة الأرض ، واقتحام الصخور ، والتعثر بين أغوار الفلاة وأنجادها ،
كما يطربون ، ولكنني لم أر بدا من مصانعتهم ومجاملتهم ، فمشيت صامتة ومشوا يتحدثون بجمال الحياة القروية ، ويتمدحون بعيش العزلة بين سكون الطبيعة وهدوئها ، وجمال الكائنات وجلالها ، والله يعلم أنه ما من أحد منهم يعلم من نفسه أنه صادق فيما يقول ، أو أنه يتمنى لنفسه ذلك الشقاء الذي يحسد الأشقياء عليه ،
فكان مثلهم في ذلك كمثل أولئك الكتاب المرائين الذين يكتبون الفصول الطوال في مدح الفلاح والتنويه بذكره ، والثناء على يده البيضاء في خدمة المجتمع الإنساني ،
حتى إذا مر ذلك المسكين بأحدهم وأراد أن يمد يده لمصافحته تراجع وكفكف يده ضنا بها أن تلوثها بأقذارها تلك اليد السوداء .
وما زلنا كذلك حتى بلغنا شاطئ النهر فراعنا أنا رأينا هناك جمعا عظيما من الناس يندفع فوق الشاطئ الآخر تدفع الموج المتراكب ، ويشير إلى الماء بأصابعه وينادي: الغريق الغريق ، والنجدة النجدة !\
فالتفتنا حيث أشاروا ، فإذا رجل بين معترك الأمواج يصارع الموت والموت يصرعه ، ويغالب القضاء والقضاء يغلبه ، يطفو تارة فيمد يده إلى الناس فلا يجد يدا تمتد إليه ، ويرسب أخرى حتى تنبسط فوقه صفحة النهر فتحسبه من الهالكين ، وما زال يتخبط ويتشبث ، ويظهر ثم يختفي ، ويتحرك ثم يسكن ، حتى كل ساعده ، ووهت قوته ، وابيضت عيناه ،
واستحال أديمه ، ولم يبقَ أمام أعيننا منه إلا رأس يضطرب ، ويد تختلج ، فبكى الباكون ، وأعول المعولون ، ونظر الناس بعضهم إلى بعض كأنما يتساءلون
عن رجل رحيم ، أو شهم كريم ، وإنهم لكذلك إذا رجل عار يدفع الجمع بمنكبيه ، وينزلق بين الناس انزلاق السهم إلى الرمية ، حتى ألقى بنفسه في النهر وسبح حيث هبط الغريق فهبط وراءه ، وما هي إلا نظرة والتفاتة أن انفرج الماء عنهما فإذا هما صاعدان ، وقد أمسك الرجل بذراع الغريق ، فكبر الناس إعجابا بهِمَّةِ المخلص ،
وفرحا بنجاة المسكين . ولكن ما كدنا نستفيق من هذا المنظر المحزن حتى راعنا منظر آخر أجل منه وقعا وأعظم هولا ، فقد رأينا الغريق كأنما جن جنونه فظن أن مخلصه يريد به شرا ، وأنه ما أمسك بذراعه إلا وهو يريد أن يهوي به إلى قاع الماء فيعيده سيرته الأولى ، فأفلت منه وضربه بجمع يده في صدره ضربة شديدة ، ثم أنشب أظافره في عنقه ولفه بساقيه لفة خلنا أن عظامه تئن لها أنينا ، فاستيأس الرجل وعلم أنه هالك ما من ذلك بدّ ،
فرفع يديه إلى السماء وهتف باسم أظنه اسمك يا ماجْدولين ، فلم أفهم ماذا يريد ولا من هي تلك التي يريد ، ثم ما لبث أن هوى الماء بهما ، وجرى مجراه فوقهما ، فخفقت القلوب ، ووجفت الصدور ، وخفتت الأصوات ، وامتدت الأعناق ، وتواثبت الأحشاء ، وتزايلت الأعضاء ، ومشى اليأس في الرجاء مشي الظلال في الأضواء ؛
ومرت على ذلك دقائق لا تضطرب فيها موجة ، ولا تهب نسمة ، ففزعت إلى أبي ذاهلة حائرة وقلت: أيتعذب الغرقَى كثيرا في مصارعة الموت ؟
فبكى لبكائي وقال: نعم يا بنية ، ولقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يدور بيده في قاع الماء يفتش عن حجر يضرب به رأسه ضربة قاضية يستريح من الآلام والأوجاع ، فركعت على كثيب من الرمل ورفعت إلى السماء يدي وقلت: اللهم إنك أعدل من أن تجازي بالإحسان سوءا وبالخير شرا ،
فلقد أبلى هذا الرجل في إنقاذ هذا الغريق بلاء حسنا ، وبذل في سبيل ذلك من ذات نفسه ما ضن به الناس جميعا ، فامدد يدك البيضاء التي طالما مددتها لإنقاذ البائسين ،
واكشف عنه كربته التي يعالجها ، إنك أرحم الراحمين .
ثم استغرقت في دعائي ، فلم أعد أشعر بشيء مما حولي ، حتى سمعت ضجة على الشاطئ فاستفقت ، فإذا النهر يتثاءب عن الرجل ، وإذا الرجل صاعد وحده حتى بلغ سطح الماء ، فهتف به الناس : أن انج بنفسك فقد أبليت !\ فأبَى عليه كرمه ووفاؤه أن يكون قاسيا أو منتقما ، فألقى بنفسه في الماء مرة أخرى ، وعاد بالغريق يحمله على كتفه ، ومازال يسبح به حتى بلغ الشاطئ ، فسقطا جميعا ،
فتولى القوم أمرهما ، وما زالوا بهما حتى أفاقا ، فمشى الغريق إلى مخلصه بعد ما ألم بقصته معه يتوجع له ويمسحه ، ويشكر له يده عنده ، ويعتذر له عن ذنبه إليه ،
ثم انتفضالجمع وبقي الرجل وحده فلبس ثيابه ثم مشى يتحامل على نفسه إلى شجرات بنفسج كن على الشاطئ ، فأخذ يقتطف من زهراتها
ويضعها في منطقته كأنما يريد أن يتخذ منها طاقة يجعلها لتلك الحادثة تذكارا ، فتركناه على حاله وعدنا إلى المنزل صامتين محزونين ،
وقد فاتنا ما كنا نؤمل من زيارتك في ذلك اليوم .
لا أستطيع أن أكتب إليك غير هذا ، فقد أصبحت لا أذكر تلك الحادثة إلا وأجد لذكراها من الألم في نفسي ما يخيل إليَّ أنها حاضرة من يدي ، وربما كتبت إليك فيما بعد، والسلام.
(11)
) المكاشفة )
مال ميزان النهار ، وانحدرت الشمس إلى مغربها ، ودب الظلام في الأضواء دبيب البغضاء في الأحشاء ،
وسكن كل صوت إلا صوت العصافير المزدحمة على أبواب أعشاشها ، وجلس استيفن في الحديقة تحت أشجار الزيزفون يترقب نزول ماجْدولين ، وقد كتب لها كتابا نطق فيه قلمه بما عجز عنه لسانه ، فنشره بين يديه وأنشأ يقلب نظره فيه ؛
فخيل إليه أنه غير مستعذب ولا سائغ ، وأن في كل جملة من جمله موضع ضعف ، فاستقر رأيه على أن يطويه حتى يكتب لها خيرا منه ، ثم رآها مقبلة نحوه تحمل في يدها كتابا ، فلما دنت منه ابتسمت له وقالت : أتذكر يا سيدي مكان الشجرات التي اقتطفت منها زهرات البنفسج التي أهديتها إليَّ ؟
فاضطرب لسؤالها ، وقال : نعم ، إنها على ضفة نهر صغير يبعد فرسخا أو فرسخين ،
قالت : اقرأ هذا الكتاب فإن لك فيه ذكرا ،
فأخذ منها كتاب سوزان في حادثة الغريق وأمر نظره عليه إمرارا فعرف كل شيء ، فرده إليها صامتا وهولا يعرف ماذا يقول .
فقالت : : فقد عرفتك وعرفت يدك ، إنك يا استيفن تكتم عني نفسك البيضاء في حادثة الغرق وبلاءك فيها ، وما عالجت من آلام الحمى على أثرها ،
ثم مدت يدها إليه مصافحة ، فلم يكن بين تلامس كفيهما وخفوق قلبيهما إلا كما يكون بين تلامس أسلاك الكهرباء واشتعال مصابيحها ،
ولبثا بعد ذلك ساعة صامتين لا ينطقان ، إلا أن في الجبين لغة لا تقرؤها إلا العيون ،
فقرأ استيفن في وجه ماجْدولين وجه ماجْدولين لوعة الحب وألم الحزن ، واضطراب الجأش وحيرة النفس ،
وقرأت في وجهه الحب والسعادة والدهشة ، والسرور المتلألئ والدمع المترقرق ، فهاجها هذا المنظر ، فأرسلت من محاجرها أول دمعة من دموع الحب ، فبكى لبكائها ، وحنا عليها حنو المرضعات على الفطيم ،
وشعر في نفسه وقد ضمها إليه بتلك العاطفة اللذيذة التي يجدها الغريب النائي عن أهله وجيرانه إذ لاقى في مطارح غربته غريبا مثله يأوي إليه ، ويحنو عليه ،
ثم أخذ بيدها فألصقها بكبده كما يفعل المريض بيد عائده ليدله على موضع ألمه ، وكأنما هو يقول لها : إن لغة اللسان لا
تكشف لك عما اشتملت عليه أضالعي من الوجد بك ، والحنين إليك ، فالمسي قلبي بيدك لتعرفي مكنونه ، وتكشفي غامض سريرته ،
ثم خر راكعا بين يديها
وقال : أتحبينني يا ماجْدولين ؟
فلم تجب ، فأعاد كلمته فاستمرت في صمتها ، فمد يده إليها ضارعا وقال : رحماك يا ماجْدولين ، إنني أخاف أن أكون في حلم ، وأن تكون هذه السعادة التي أراها بين يدي خيالا من الخيالات الكاذبة التي كانت تتراءَى لي في أحلامي الماضية فأغتبط بها وأسكت إليها حتى إذا ما استفقت وجدت يدي صفرا منها ،
فأسمعيني كلمة الحب لأعلم أنك حاضرة لدي ، وأنني لست واهما ولا حالما .
ومرت بهما على ذلك ساعة لا يعرف مكانها من نفسهما إلا من مرت به في يوم من أيام شبابه ساعة مثلها ،
فقد كانا يشعران أنهما في معزل عن العالم ، وأن مكانهما من تلك الحديقة في انفرادهما وسكونهما وهنائهما وغبطتهما مكان آدم وحواء من جنتهما ،
قبل أن يأكلا من الشجرة ويهبطا إلى الأرض ، وأن روحهما قد تجردت عن جسمهما فطارت ترفرف بأجنحتها في فضاء الملأ الأعلى ،
فرأت مدارات الشموس في أفلاكها ، وحركات الكواكب في منازلها ، ومرت بين صفوف الملائكة ، وسمعت زجلها وتسبيحها تحت قوائم العرش ، ودخلت جنة الخلد فرأت حورها وولدانها ، ولؤلؤها ومرجانها ، وروحها وريحانها .
فلم يستفيقا من غمرتهما حتى سمعت ماجْدولين صوت جنفياف تناديها فمدت إليه يدها مودعة ، وهي تقول : غدا في مثل هذه الساعة في هذا المكان ، فمد يده إليها ذاهلا لا يعلم ماذا يُراد به ،
ثم مضت ، ومضى بنظراته على آثارها حتى اختفت آخر طية من طيات ردائها الأبيض ،
فجمد في مكانه ساعة لا يتحرك ولا يلتفت ، كأنما يتخيل أنها لا تزال جالسة بين يديه ، فلما سمع خفق بابها دار بعينيه حول نفسه يمنة ويسرة ، فعلم أنه جالس وحده .
(12)
) النشوة )
بعد ذهاب ماجْدولين خرج استيفن هائما على وجهه يعدو في عرض الفضاء ، ينحدر إلى يمينه تارة وإلى يساره تارة أخرى ، كأنما يريد أن يشهد الأرض والسماء ، والبحار والأنهار ، والجبال الشماء ، والسهول الفيحاء ، والحيوان الناطق ، والجماد الصامت ، على سروره وغبطته ،
وكان يشعر في نفسه أن السعادة التي نالها هي فوق ما يحتمل طوقه ، فكان كلما مرب أحد من الناس حدثته نفسه أن يفضي إليه بقصته ليحمل عنه جزءا من سعادته ، ومر بأطفال يلعبون فجمعهم حوله وأخذ يقبلهم واحدا بعد واحد ، ثم نثر عليهم كل ما معه من المال ،
وبوده لو ملك مفاتيح الأرزاق فأسبغ على الناس جميعا أنعمه وآلاءه فمحا بؤسهم وشقاءهم ، وما زال يتغلغل في أحشاء الظلام متيامنا متياسرا ، صاعدا منحدرا ، حتى رأى باب الحديقة مفتوحا بين يديه ، فاقتحمه ومشى إلى مكانه الأول ، فجلس فيه وأخذ ينظر إلى شعاع النور المنبعث من بين ستائر غرفة ماجْدولين ،
فخيل إليه أنه يرى قيامها وقعودها ، وجيئتها وذهابها ، ويسمع حفيف ثوبها ، وخشخشة أوراق كتابها ، حتى انطفأ المصباح ، فصعد إلى غرفته وجلس إلى مكتبه يكتب إليها كتابا طويلا ،
ثم نال منه التعب فقام إلى سريره ونام نوما هادئا لذيذا حلم فيه أحلاما ما رأى مثلها بعد ليالي طفولته الجميلة .
(13)
) من استيفن إلى ماجْدولين )
لا أزال أشعر حتى الساعة بجمال ذلك المقام الذي قمته بين يديك أمس ، ولا أزال ألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي مخافة أن يكون قد طار سرورا بتلك السعادة التي هي كل ما يتمنى المُخَيَّرُ أن يكون ،
والتي لا أعتقد أن أبناء الخلود يُقَدِّرون لأنفسهم في دار نعيمهم خيرا منها ، ولو أن لامرئ أن يعبد من يسدي إليه أفضل النِعَم وأسبغها ، وأجمعها لكل خير وبر ، لوجدتني يا ماجْدولين ساجدا بين يديك في كل مطلع شمس سجود العبد الشاكر للإله المنعم .
إن الله لم يهب لي نعمة الجمال التي وهبها لك ، ولم يجملني بمثل ما جملك به من رقة الحس ، وعذوبة النفس ، فإن أنت أحببتني فقد أحببت فتى مجردا من مزايا الفتيان لا يستطيع أن يمت إليك بمثل ما تمتين به إليه ، ولا أن ينيلك من السعادة ما أنلته منها ، فإن كنت ترين أن الإخلاص في الحب والوفاء بالعهد وهبة النفس هبة خالصة بلا ندم ولا أسف مزية أستحق لها محبتك فها أنا ذا أقدمها بين يديك ،
فتقبليها مني وقولي إنك سعيدة بي ، كما أنا سعيد بك .
(14)
) العهد )
قدم استيفن كتابه إلى ماجْدولين يدا بيد ،فدهشت حينما رأته وألقت عليه نظرة الحائر ، فنظر استيفن إليها نظرة المتوسل المستعطِف المتردد فتناولته منه وخبأته في ثنايا صدارها .
فقالت ماجْدولين : أصحيح يا استيفن ما حدثتني به سوزان في كتابها أن اسمي كان آخر كلمة هتفتَ بها في الساعة التي كنت تحسب أنها آخر ساعاتك في الحياة ؟
قال : نعم ، ولقد نلت ببركة هذا الاسم ما كنت أقدر لنفسي من النجاة عندما هتفت به ، فقد علمت أن الله ما منحك هذه المنحة من الجمال ، ولا جملك بما جملك به من محاسن الخلال ، إلا وأنت آثر بنات حواء عنده ،
وأكرمهن عليه ، فهو أضن بك من أن يجرح قلبا يخفق بحبك ، أو يخرس لسانا يهتف بذكرك ، فعُذت باسمك في شدتي كما يعوذ المؤمن في شدته باسم الله ،
فكان لي خير معاذ وملاذ .
قالت : إنك قد لقيت في شدتك هذه عناءً كثيرا ولقد كنت فيما فعلت من القوم المحسنين ،
قال : ما كنت محسنا قبل اليوم ، ولكنه الحب يملأ القلب رحمة وحنانا ، ويصغر في عينيه عظائم الأمور وجلائلها ، ويوحي إليه أفضل الأعمال وأشرفها ،
أما ما لقيت في ذلك اليوم فقد كان فوق ما يحتمل المحتمل ، فقد خيل إليَّ أنني أهوي في منحدر لا أعرف له قرارا ، وأن جسمي يتفتح عن روحي تفتحا فتَملَّسُ منه إملاس الفرخ من بيضته ،
فلما ذكرتك استروحت من ذكراك ما استروح يعقوب من قميص يوسف ، فلما نجوت علمت أنك سبب نجاتي ، فما بلغت الشاطئ حتى جمعت تلك الزهرات فأرسلتها إليك تذكارا لتلك النعمة السابغة التي أسديتها إليَّ .
فمدت يدها إلى صدرها ، وأخرجت منه طاقة زنبق وقالت : إن أبي قد جمع لي هذه الأزهار صباح هذا اليوم فأنا أقدمها إليك ردا لتحيتك التي حييتني بها .
فتناولها منها ونثرها بين يديه ، وأخذ يؤلف بين أشتاتها وينظمها في سلك مستدير حتى صارت إكليلا جميلا ، فوضعه على رأسها وقال : إن من يرى هذا الإكليل الزاهر فوق هذا الجبين الساطع لا يرى إلا أنه إكليل عرس على رأس عروس .
فأخذت كلمته هذه مأخذها من نفسها ، فأطرقت قليلا ثم رفعت رأسها فإذا دمعة رقراقة تترجح في مَحْجِرَيْها .
فقال : لا تبكي يا ماجْدولين ، فما في قوى هذا العالم كلها قوة تستطيع أن تحول بيني وبينك .
قالت : إنما أبكي خوفا من الحب ، وما أنا إلا فتاة مسكينة منقطعة ، أشعر بالحيرة التي تشعر بها كل فتاة لا أم لها ترشدها ، ولا ناصر لها يعينها .
قال : ألا تعتقدين أن قلبك نقي طاهر ؟
قالت : ذلك ما أعتقده وأُشهِد الله عليه .
قال : إذن فالله هو الذي ينصرك ويعينك ، وهو الذي يأخذ بيدك في حيرتك ، وينير لك السبيل في ظلمات هذه الحياة .
لا تخافي من الحب يا ماجْدولين ، ولا تخافي من غضب الله فيه ، واعلمي أن الله الذي خلق الشمس وأودعها النور ، والزهرة وأودعها العطر ، والجسم وأودعه الروح ، والعين وأودعها النور ، قد خلق القلب وأودعه الحب ،
وما يبارك الله شيئا كما يبارك القلبين الطاهرين المتحابين ؛ لأنهما ما تحابا إلا إذعانا لإرادته ، ولا تعاقدا إلا أخذا بسنته في عباده ،
فامددي إليَّ يدك ، وأقسمي بما أقسم به أن نعيش معا ، فإن قدر لنا أن نفترق كان ذلك الفراق آخر عهدنا بالحياة .
فمدت إليه يدها فتقاسما وتعاهدا ، وكانت الشمس قد انحدرت إلى مغربها فافترقا .
(15)
) من استيفن إلى ماجْدولين )
كتبت إليك كثيرا ، فلم تكتبي إليَّ كثيرا ولا قليلا ؛ لأنك تعتقدين ما يعتقده كثير من النساء من أن المرأة التي تكتب إلى حبيبها كتاب حب آثمة أو غير شريفة ،
أما أنا فأعتقد أنها إن لم تفعل فهي مرائية مصانعة ؛ لأن المرأة التي وهبت قلبها هبة خالصة لا يخالطها شك ولا ريبة لا ترى مانعا يمنعها من أن تكتب لحبيبها في غيبته بمثل ما تحدثه به في حضرته .
إن الحيطة في الحب رأي تراه لنفسها المرأة البغي التي تتخذ لها كل يوم حبيبا تُقْسِم بين يديه بكل محرجة من الأيمان أنها ما فتحت قلبها لزائر قبله ، فهي تخاف أن تُسجِل بيدها على نفسها في يومها ما يفسد عليها أمرها في غدها ،
أما المرأة الشريفة فما أغناها عن ذلك كله ؛ لأنها تحب فتخلص ، فتقول فتكتب ما تقول .
اكتبي إليَّ يا ماجْدولين ، فإن الذي يستطيع أن يكتم سر حديثك لا يعجز عن أن يكتم سر كتابك ، واعلمي أن رجلا غيري ذلك الذي يتخذ من رسائلك سيفا يجرده فوق عنقك إن بدا لك في الفرار منه رأي ،
وإن فتاة غيرك تلك التي ترضى لنفسها أن تهب قلبها إلى رجل يتجر بأسرار النساء .
(16)
) البحيرة )
بعد ذلك مضت أيام على ماجْدولين واستيفن كانا يلتقيان فيها في المنزل أو الحديقة أو في الغابة أو على ضفة النهر ،
وكثيرا ما كانا يجلسان بجانب شجرات البنفسج ، ويذكران حادثة النهر ، وطاقة الزهر ، وأحيانا كانا ينزلان في زورق صغير يسيران به في البحيرة ساعة أو ساعتين ثم يعودان .
فنزلا في الزورق يوما وكانت الشمس قد لبست ثوبها الثالث ، ثم ما لبثت أن هوت إلى مستقرها على أن ترسل من خلفها سليلها القمر إلى هذا الوجود ليقوم عنها بحراسته حتى تعود إليه ،
فأمعنا في البحيرة ، وكانت هادئة ساكنة كصفحة المرآة ، وكان النسيم باردا رطبا يترقرق فيلامس الوجوه بخفة كما تلامس يد الحسناء وجه حبيبها ،
وقد سكن كل شيء إلا صوت قطرات الماء المنحدرة من المجاذيف إلى البحيرة ، ونقيق الضفادع من حين إلى حين ،
ثم هتك القمر ستر الظلام وأرسل أشعته الزرقاء إلى الزورق والبحيرة والشاطئوما وراء ذلك ،
فكانا يريان على ضوئه بعض الأشجار كأنها أشباح متحركة ، ويتخيلان أن عيون الحشرات السارية بين لفائف الأعشاب شرر ينقدح ، فلذَّ لهما هذا المنظر البديع ،
وذلك السكون العميق ، وتلك الوحدة التي لا يكدرها عليهما مكدر ، وتركا الزورق يمشي بهما حيث يشاء ،
وينحدر كما يريد .
وظَلا يتحدثان ، فقال استيفن : إني أوثر يا ماجْدولين أن يكون البيت الذي نسكنه في المستقبل على شاطئ بحيرة كهذه البحيرة ، وأن يكون لنا زورق أوسع من هذا الزورق وأجمل منه شكلا ، نقضي فيه الليالي المقمرة بين الرياضة والصيد والاستحمام ، ولا بد أن يكون للمنزل حديقة صغيرة ونغرس بها ما نشاء من الكروم والأعناب والأزهار والأنوار ،
وسأتولى بنفسي غرس شجرات البنفسج لك ، وسأنشر على جدران الحديقة والمنزل غلائل رقيقة من الخضرة اليانعة ، أما المنزل فأرى أن يكون مشتملا على طبقتين ، طبقة عليا يكون فيها أربع غرف ، غرفة للأضياف ، وأخرى للمكتبة ، وأخرى للملابس ، وصمت لحظة ، ثم قال : أما الرابعة فهي التي تكون لي ولك .
فاحمرت ماجْدولين خجلا ثم قالت : لقد فاتك أن تذكر غرفتين أخريين : إحداهما لأخيك ، والثانية لأبي .
قال : نعم ، لقد فاتني ذلك ، فلابد إذن أن تكون الطبقة العليا مشتملة على ست غرف ، أما الطبقة السفلى فتشتمل على قاعة الطعام ، ومخزن المئونة ، وبيت الخدم والحمام ، إلى ما يلحق ذلك من مرافق البيت وحاجاته .
قالت : لقد فاتك أيضا أن الحديقة لا يجمل منظرها إلا إذا كان في وسطها حوض صغير يتدفق ماء نميرا .
قال : نعم وسنتخذه لتربية الأسماك الملونة ، ولا يفوتنا أن نحوطه بسياج عال من الأغصان المشتبكة وقاية لأطفالنا الصغار .
فأخذت هذه الكلمة مأخذها من نفس ماجْدولين ، واصفر لها وجهها ، ثم أطرقتوسألها عما بها ، فرفعت رأسها فإذا هي تبكي ،
فحنا عليها استيفن فقال : ما بك يا ماجْدولين ؟
قالت : إن الدهر يا استيفن أضن بالسعادة من أن يهبها كلها لشخص واحد ، وأخاف أن نكون كاذبين في آمالنا ، أو مخطئين في تصور مستقبلنا ،
فليت الدهر — إن كان يعلم أنه سيحول بيننا وبين سعادتنا في المستقبل ويكدر علينا صفو عيشنا بفاجعة من فواجعه أو نازلة من نوازله — أن يمد إلينا يده في هذه الساعة فيستل حياتنا من يدي أجلنا ؛
لتخف في أفواهنا مرارة الموت !\
قال : لا تخافي يا ماجْدولين ، فإن سلطان الدهر لا يمتد إلى مواقف الحب إلا إذا أراد المحبون أنفسهم أن يكون له هذا السلطان عليهم ، فكوني معي أتخذ من حبك عدة أنازل بها حوادث الدهر وأرزاءه ، وأفسد عليه حوله وقوته .
فصمتَتْ واجمة ، ثم ألقت نظرها على البحيرة ومجرى الزورق منها وقالت : لو أن لامرئ أن يتمنى لنفسه ما يشاء لتمنيت أن يكون هذا الطريق الذي نسير فيه طريق الأبدية ، وأن يظل هذا الزورق مطردا بنا في مسيره ، لا يقف في طريقه شيء حتى يلج بنا أبواب السماء . فقد أوشك القمر أن يغيب ، وأنا لا أحب أن أرى مغيبه . ؛ لأني أخاف أن تغرب سعادتنا بغروبه .
ثم تنفست الصعداء وقالت : حسبنا يا استيفن .
فنظر إليها واجما مكتئبا ، كأنما دار بنفسه ما دار بنفسها من المخاوف والأوهام ، ثم قام إلى المجاذيف يحركها ، واضطجعت تحت قدميه ، وما زالا كذلك حتى بلغا الشاطئ ، ثم مشيا حتى بلغا المنزل ، فلما أرادا أن يفترقا أدنى يدها من فمه يحاول أن يقبلها فأبت ، فقبلها في جبينها فارتعدَتْ ، وألقت عليه نظرة عتب أخذت من نفسه مأخذها وانصرفت .
(17)
) من ماجْدولين إلى استيفن )
ماذا صنعت يا استيفن ؟ إنك سلبتني الليلة الماضية راحتي وسكوني ، فإني كلما تذكرت تلك القُبْلة التي وصمت بها جبيني شعرت كأن نارا مشتعلة تتأجج بين أضالعي ،
وأن صحيفتي التي لم تزل بيضاء حتى ليلة أمس قد أصبحت تضطرب في بياضها الناصع نقطة سوداء ، فأحاول أن أطردها من أمامي فأكون كالأرمد الذي يحاول أن يطرد الغشاوة السوداء من عينيه فلا يستطيع ،
لقد سكبت عيناي كثيرا من العبرات ، وتوسلت كثيرا إلى الله تعالى ، أن يغفر لي ذنبي ، ولا أدري ما هو صانع بي ؟ ولا كيف أستطيع أن أقف بين يديه يوم الحساب بهذا الجبين المسود من الإثم ،
وهذا الوجه المحمر من الخجل ؟
لا أكتمك يا سيدي أنني لولا أن عزيت نفسي عن هذه النكبة بأنك أخذت مني تلك القبلة أخذا ولم أمنحها لك منحة لقتلت نفسي بيدي ، ،
لا تعد إلى مثلها يا استيفن يوما من الأيام إلا إذا أردت أن تراني بين يديك جثة هامدة .
(18)
) من استيفن إلى ماجْدولين )
ما كنت أعلم قبل اليوم أن الفتاة التي تحب وتعاهد من تحب ، وتقسم بين يدي حبيبها يمين الإخلاص والوفاء على أن تكون له كما يكون لها ، وألا تجعل ليد غير يد الموت سبيلا إلى التفريق بينهما ،
تستكثر عليه قبلة شريفة يأخذها من جبينها كما يأخذها الأخ من جبين أخته ، والمتعبد من يد كاهنه .
ما أحسب إلا أنك قد خدعت نفسك بنفسك يا ماجْدولين حين ظننت أنك عاشقة ، وما أنت من الحب في شيء ؛
لأن الفتاة التي تحب لا ترى بأسا في أن تمنح القبلة لحبيبها منحة ، ولا تنتظر أن يأخذها منها أخذا .
الآن عرفت أن بكاءك بين يدي ، واضطراب يدك في يدي ، وخفوق قلبك عند رؤيتي ، إنما كان أثرا من آثار الخوف لا مظهرا من مظاهر الحب ، وأن عطفك عليَّ وتحببك إليَّ ولصوقك بي لم يكن لأنك كنت تحبينني ، بل لأن فتاة مسكينة ضعيفة مثلك لا بد لها أن تشعر بالميل إلى كل رجل قوي بجانبها .
تقولين لي إنك قضيت ليلك أمس معذبة ، لا يهنأ لك مضجع ، ولا يغتمض لك جفن ، أما أنا فأقول لك : إني لم أقض في حياتي ليلة أَهْنَأ من تلك الليلة ؛
لأني بت أتخيل تلك القبلة التي تناولتها من جبينك كأنها ثغر منضد يبتسم إليَّ أرق ابتسام وأعذبه ، فأشعر بروح الحب تدب في أعضائي دبيب الحميا في وجه شاربها ؛
أما اليوم فإني أصبحت أتخيلها تمثالا جامدا من الحجر الصلد ماثلا بين يدي لا يتحرك ولا ينطق .
عفوا يا ماجْدولين ، فإني ما تناولت تلك القبلة من جبينك إلا وأنا أعتقد أني أُقَبِّل زوجتي ؛ لأني لا أرى فَرقا بين عهد الإخلاص الذي يؤخذ بين يدي الحب وعقد الزواج الذي يعقد بين يدي الكاهن ،
وأشكر لك تلك الساعات القليلة التي سعدت فيها على يدك ، وإن كانت سعادة موهومة ، ويمكنني أن أقول لك إني ما نقضت — حتى الساعة — ذلك العهد الذي عاهدتك عليه ، وإني لا أزال أحبك كما كنت ؛ لأني ما كنت أحببتك لأجازيك على حب بمثله ، ولا لأنك جميلة أو عاقلة أو ذكية ، ولا لشيء مما يحب الرجال له النساء ، بل أحببتك للحب نفسه ،
والسلام .
(19)
) من ماجْدولين إلى استيفن )
عفوا يا استيفن ، فما كنت أحسب أن كلمتي بالغة منك ما بلغت ، أو أنها ذاهبة بك هذه المذاهب كلها ، فاغفر لي ذنبي ،
فوالله ما احتفظت بعرضي إلا لك ، ولا منعتك نفسي اليوم إلا لأبذلها لك غدا ، أنت اليوم حبيبي وغدا تكون زوجي ، وكل ما صنعته أني توسلت إلى حبيبي أن يزفني طاهرة نقية إلى زوجي ، أما الخداع الذي تذكره في كتابك فأنا أعتقد أنك تعلم من أمري غير ما تقول ،
ولكنك غضبت فقلت غير ما علمت .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق