الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

من 30 إلى 39





(30)

) النفس العالية )



لا تخضع النفس العالية للحوادث ولا تذل لها مهما كان شأنها ، ولا تلين صعدتها أمام النكبات والأرزاء مهما عظم خطبها ، وجل أمرها ؛ بل يزيدها مر الحوادث وعض النوائب قوة ومراسا ، وربما لذ لها هذا النضال الذي يقوم بينها وبين حوادث الدهر وأرزائه ، 

كأنما يأبى لها كبرياؤها وترفعها أن يوافيها حظها من العيش سهلا سائغا لا مشقة فيه ولا عناء ، فهي تحارب وتجالد في سبيله ، وتغالب الأيام عليه مغالبة حتى تناله من يدها قوة واغتصابا ، 

فمثلها بين النفوس كمثل الليث بين السباع ، لا تمتد عينه إلى فريسة غيره ، ولا يهنأ له طعام غير الذي تجمعه أنْيابه ومخالبه . 

كذلك كانت نفس استيفن بعد نزول تلك النكبات به ، فإنه لم يجزع ولم يتألم ، ولم يعبث اليأس بقلبه ، بل فارق كوبلانس كما دخلها : ساكن النفس ، مطمئن الضمير ، مملوء القلب ثقة وأملا ، فلم يزل سائرا بقية ليلته يطوي الأرض على قدميه طيا 

حتى مشت في جلدة الظلام أشعة الفجر ، فالتفت فإذا بقية من شبح كوبلانس لا تزال ماثلة .

فألقى عليها نظرة واجمة مكتئبة ثم قال : الوداع أيها القوم الذين طردوني من بينهم ، ولم يزودوني لقمة واحدة أَتَبَلَّغ بها في طريقي ، ولا دابة أحمل عليها حقيبتي ، ولا كلمة طيبة آنس بها في مطارح غربتي ، لقد نبذت حبكم من قلبي نبذ الفم النواة ، ونفضت يدي منكم نفض المُوَدِِّّع يده من تراب الميت ، 

فأصبح قلبي وضميري وحبي وحناني ونفسي وحياتي وكل ما تملك يدي ملكا خالصا لذلك الإنسان الذي أَحبني وأحببته ، ووفى لي من دون الناس جميعا ووفيت له ، لا ينازعه فيَّ منازع ، ولا ينزل معه في سويداء قلبي نازل ، وس يكون حبه مناري الذي أهتدي به في ظلمات حياتي حتى أبلغ ذروة السعادة التي أطلبها لنفسي ، 

وهنالك ترون أيها القوم الجفاة القساة أن ذلك الفتى الخامل المسكين الذي وقف بينكم بالأمس مهينا ذليلا لا يكاد يرفع طرفه إليكم حياءً وخَجَلا قد أصبح رجلا نابها عظيما غنيا بماله وجاهه عن مالكم وجاهكم ، 

وسعيدا بين أهله وأولاده سعادة لا يحفل من بعدها بنسبكم ولا برحمكم . 

ثم مشى في طريقه يعلل نفسه بالآمال الحسان ، ويرسم لمستقبل حياته ما شاء من الخطط والنظم ، وكان كلما ألْغَبَهُ المسير دفع إلى أصحاب العجلات المارة في طريقه تحمل الأثقال درهما أو درهمين ؛ ليحملوه على عجلاتهم أو يأذنوا له بالجلوس في مؤخرتها ساعة أو ساعتين ، ثم يعود إلى شأنه الأول ، حتى وصل عند مجتنح الأصيل إلى جوتَنْج وهي البلدة التي تعلم في مدرستها ، وقضى فيها أكثر أيام صباه . 





(31)

) النفس الشعرية )



ذهب استيفن ساعة هبط جوتَنْجإلى استاذه القديم في الموسيقى هومل ليفضي إليه بشأنه ويستعين به على قضاء حاجته ، 

وكان له بمثابة الأب الرحيم ، يحبه ويكرمه ويؤثره على تلاميذه جميعا ، فلما وقف بين يديه عَقَلَ الحياء لسانه ، فلم يستطع أن يقول له شيئا ، 

وكذلك شأن أصحاب النفوس الشعرية ، يملأ الشعر نفوسهم عزة وخيلاء ، فتملأ العزة وجوههم حياء وخجلا ، 

فلا يذلون ولا يضرعون ، ولا يجرءون على شيء مما يجرؤ عليها الناس جميعا كأن تحليقهم الدائم في سماء الخيال وطيرانهم في تلك الأجواء العالية غادين رائحين قد مثل لنفوسهم أنهم يعيشون في ملأ أرفع من الملأ الذي يعيش فيه الناس ، فإن عرضت بهم حاجة من الحَاجِّ أبوا وأنفوا أن يسألوها أحدا من سكان الأرض ، 

ذهابا بأنفسهم من مواطن الضَّعَة والمهانة ، وضنا بأديم وجوههم أن يُخْلِقَهُ السؤال ، وكذلك يعيشون فقراء ، ويموتون بؤساء . 

لذلك لم يستطع استيفن أن يفضي بحاجته إلى أستاذه في المقابلة الأولى ، فزعم أنه إنما جاءه ليتلقى عنه دروسا في الموسيقى ، وظل يختلف إليه أياما يسمع غناءه ويحفظه عنه ، حتى جرى بينهما يوما من الأيام ذكر الحياة والمستقبل ، فسأله أستاذه عما رسم لنفسه من الخطط في مستقبل حياته ، فقال : لا أدري حتى الساعة .

فقال : لا أعرف لك سبيلا غير هذا الفن الذي تحبه وتستهيم به ، وأرى أن غرامك به سيجعلك غدا من أصحاب الشأن العظيم فيه .

فنفض له استيفن إذ ذاك جملة حاله ، وصارحه برغبته التي يريدها ، فوعده بمساعدته والأخذ بيده ، 

فانصرف مغتبطا مسرورا . 





(32)

) من ماجْدولين إلى استيفن )



لم أستطع أن أكتب إليك منذ شهرين ؛ لأني كنت مريضة ، وسأقص عليك قصة مرضي : 

خرجت ذات ليلة لألقي برسالة كنت كتبتها لك في صندوق البريد في قرية هال فلما أبعدت عن هال وغاب عني شبحها وأصبحت في منتصف الطريق بينها وبين ولفاخ ، هبت عليَّ ريح عاصفة شديدة دوت بها جوانب الأفق ، وقعقعت لها قبة السماء حتى حسبتها توشك أن تنقض ، 

وأخذت تجاذبني ثوبي مجاذبة شديدة ، كأنما تأبى إلا أن تنتزعه مني أو تنتزعني معه ، فحدثتني نفسي بالعودة من حيث أتيت ، 

ثم ذكرتك وذكرت أنك تنتظر رسالتي ، فاستمررت أدراجي ، ومشيت في طريقي أتيامن من الريح مرة وأتياسر أخرى ، وأندفع متقدمة وأكر راجعة ، فمن رآني في تلك الساعة خُيل إليه أنه يرى فتاة بائسة مُرَزَّأَة ، قد لعبت النار بأثوابها وعلقت بأطرافها وأوصالها ، 

فهي تهيم على وجهها في كل مكان تطلب الخلاص مما هي فيه فلا تجد إليه سبيلا ، 

فلم أصل إلى تلك القرية إلا بعد ساعتين ، فألقيت الكتاب في الصندوق ثم رجعت ، وكانت العاصفة قد هدأت قليلا ، ولكنها ما هدأت إلا لتفتح الطريق إلى الغيث الهاطل ، 

فلم تهدأ ثورتها حتى ثار ثائره وأخذ يتساقط سقوطا شديدا ، فابتل ردائي ، ومشت الرعدة في جميع أعضائي ، واشتدت ظلمة الليل فما أكاد أهتدي إلى طريقي ، 

ولقد حدثتني نفسي لشدة ما نالني من التعب والإعياء ، وما ملأ قلبي من الخوف والوحشة ، أن أسلم نفسي إلى كنف من أكناف الهضاب أو سفح من سفوح الجبال أنتظر فيه مَنِيَتي حتى توافيني ، فحال بيني وبين ذلك أني أريد أن أحيا لك ، وأتولى شأن سعادتك التي عاهدتك على أن أتولاها لك ، 

وأني إن قتلت نفسي قتلتك معي ، فبعث ذكرك في نفسي قوة غالبت بها الطبيعة وعواصفها وثلوجها ، وبروقها ورعودها ، حتى بلغت المنزل بعد لَأيْ ، فسقطت مريضة محمومة . 

ولقد كابدت في مرضي شدة عظمى لم أرَ مثلها فيما مر بي من أيام حياتي ، حتى دب اليأس في نفسي دبيب المنية في الأجل ، وظننت أني لا بد هالكة ، وأني لا أراك بعد اليوم ، 

فلم يكن يحزنني في تلك الساعة شيء سوى أنك ستسمع بخبر موتي ، ولا تسمع معه أنك كنت الإنسان الوحيد الذي كنت أفكر فيه في ساعتي الأخيرة ، 

فحاولت أن أكتب إليك كتاب وداع أبثك فيه بعض شأْني فلم أستطع ، ثم شعرت في فترة من فترات السكون التي تتخلل سكرات الحمى أني أستطيع النهوض من فراشي ، فكتبت إليك كتابا أوصيت لك فيه بجميع ما تملك يدي ، وما تملك يدي إلا كُتُبي ومحفظة رسائلك ، والخاتم الذي نسجته من شعرك ، وذخيرة من الذهب ورثتها عن أمي ، 

وهي أعز الأشياء عندي ، وكيسا صغيرا يشتمل على بعض قطع فضية وذهبية مما كنت أستفضله من نفقاتي ، ثم طويت الكتاب وأعطيته لجنفياف لتوصله إليك بعد موتي ، ولكن الله كان أرحم بي وبك من أن يحرمني منك ويفجعك بي ، فمد إليَّ يد معونته وإحسانه واستنقذني من مخالب الموت ، فحمدت له مِنَّته ونعمته ، 

ولقد بكيت كثيرا عندما أعدت النظر في تلك الوصية المكتوبة ؛ لأني تمثلت حزنك وتفجعك وخيبة آمالك لو قدر لك أن تقرأها ، فَرَثيْتُ لك مما بك وبكيت لبكائك . 

رجائي عندك يا استيفن أن تكتب إلي عنوان أخيك في الجيش ؛ لأني أريد أن أبعث إليه بهدية أخطب بها وده إكراما لك ، فقد أصبحت أحبه من أجلك حبا كثيرا ، وأترقب بفرح وسرور ذلك اليوم الذي يضمنا وإياه بيت واحد ، تحت سماء واحدة . 

لا يحزنك يا استيفن ما قصصت عليك ، فتلك حادثة ماضية قد ذهبت وانقضت ، ولم يبقَ منها في نفسي حتى آثارها ، فليذهب الماضيبخيره وشره ، وليأْتِ لنا المستقبل بما نريد . 










(33)

) من استيفن إلى ماجْدولين )



عفا الله عنك يا ماجْدولين ، أكنتِ تظنين أني أستطيع أن أحيا من بعدك ساعة واحدة أتمتع فيها بالحياة وطيبها ، والدنيا ونسيمها ، فأوصيت بما أوصيت به إليَّ ؟ 

إنك لا تعلمين أنك روحي التي أحيا بها في هذا العالم ، ودنياي التي أتنسم فيها رائحة السعادة والهناء ، وأن اليوم الذي يخلو فيه مكانك من الدنيا هو آخر عهدي بالعالم وما فيه . 

متى أُهدي الميت ، وأوصى القبر إلى القبر ! ومتى عاش المحب بعد فقدَ حبيبه ساعة واحدة ، أو هَنِئَتْ له لحظة من لحظات عيشه إن قدر له أن يعيش من بعده ؟ 

إن لي في الحياة — كما للناس— أماني كثيرة ، وبودي لو استطعت أن أبيعها جميعها بأمنية واحدة ، 

وهي أن أموت يوم أموت بين ذراعيك ، ملقيا رأسي على صدرك ، شاخصا بعيني إلى وجهك المشرق الجميل ، 

وأن يكون صوتك آخر ما أسمع من الأصوات ، 

وصورتك آخر ما أرى من الصور ، عالما أن من يموت ميتة كهذه تفتحت له أبواب السماء ، واتصلت سعادة دنياه بسعادة أخراه ، فلا يشعر بشقاء الموت ، ولا ما بعد الموت . 

هنيئا لك إِبْلَالُكِ من مرضك ، وشكرا لله على صنيعته عندك في شفائك ، وصنيعته عندي في حفظ حياتك لي ، وما أحسب أن الله أراد بي أو بك سوءا فيما كان ، ولكنه يبتلينا اليوم لنعرف مقدار ما يستقبلنا به من السعادة غدا . 

سأكتب لأخي أوجين بشأن الهدية التي أزمعت أن ترسليها إليه ، وإني شاكر لك شكرا جزيلا عطفك عليه وحبك إياه ، أما عنوانه ، فهو . الفصيلة الثالثة ، من قسم الجياد الخفيفة في جيش الحدود 





(34)

) الحظ )



مر الشتاء واستيفن يختلف إلى هومل ، ، واستاذه يسعى له سعي المُلِحِّ فلا ينجح حتى أوشك أن ينفد ما كان معه من المال ، 

ولم يبقَ في يده منه إلا بقية غير صالحة لا يعلم ما هو صانع بعدها ، فلم يجد له بدا من أن يأخذ نفسه بالتقتير ، ويحمل عليها في العيش حملا شديدا ، فأكل التافه من الطعام ، ولبس الخلقان من الثياب ، وغني بالأكلة عن الأكلتين ، وبالخبز عن الأدُُم ، 

وكان يقول في نفسه كلما برحت به الفاقة ، واشتدت به ضائقة العيش : لقد قال لي عمي : إن من كان فتى قويا مثلك لا يجمل به أن يعيش عالة على أهله وذويه ، وها أنا ذا على فتوتي وقوتي أكاد أموت جوعا ، 

فما أقسى قلوب قومي ، وما أبعد الرحمة عن أفئدتهم ! لقد كان في استطاعتهم أن يقبلوني عندهم ضيفا عاما أو عامين ، حتى يفتح الله لي بابا من أبواب الرزق فأرحل عنهم ، أو أن يهيئوا لي — قبل أن يطردوني من بينِهم — ملجأ أعتصم به في المكان الذي طردوني إليه حتى لا أموت ميتة الغرباء المشردين . 

وكان أكبر ما يحزنه من أمر فاقته أنه وعد ماجْدولين بالسعي إلى الثروة والنجاح فيها ، وملأ قلبها ثقة وأملا في المستقبل ، وأن فشله — إن قدر له الفشل — سيقتلها ، 

ويلقي بها في مهواة اليأس والشقاء ، فرثى لها وأشفق عليها إشفاقا عظيما ، وود لو صلحت حياته لأن تكون ثمنا لسعادته فبذلها في سبيلها ، ثم رحل عن الدنيا طيب النفس عنها وعن جميع آماله وأمانيه فيها . 

ولقد مر به يوما — في بعض مواقفه بجانب بعض الجدران — فتى زري الهيئة ، سيئ الحال ، ومد إليه يده يسأله بعض المعونة ، فَزَوَى وجهه عنه حياءً وخجَلا ، فقال له الفتى : أقسم لك بالله يا سيدي أني تركت زوجتي ورائي ما تطيق الوقوف من الطوى ولقد مر بي وبها يومان ما نجد ما نتبلغ به إلا البكاء والدموع .

فانتفض استيفن انتفاضة شديدة والتفت إليه وقال له : أتحب زوجتك كثيرا أيها الفتى ؟ 

قال : نعم يا سيدي كما أحب حياتي .

فأطرق برأسه هنيهة وظل يقول في نفسه : إنه يستعدي عطف الناس ورحمتهم على جوع زوجته وطواها ، والناس لا يعطفون ، ولو عقل لعلم أنه يسألهم حقا من حقوقه المقدسة لا يعترضه من دونه معترضا إلا استحل دمه ومشى على جثته إليه ، فلا جريمة في الدنيا أكبر من أن يرى الإنسان المرأة التي يحبها تموت بين يديه جوعا فلا يفعل شيئا أكثر من أن يغمض عينيها ويسجيها بثوبها ، 

ثم يجلس بجانب سريرها يبكيها ويندبها .

ومد يده إلى جيبه فأخرج كل ما كان معه من المال فأعطاه الفتى صامتا ، ومشى في طريقه وهو يقول : لقد أنقذتهما من مخالب الجوع بضعة أيام ، وأسأل الله أن يقيض لهما من يتولى شأنهما بعد ذلك . 

وكذلك عاد استيفن إلى مأواه وهو لا يملك من متاع الدنيا حتى قوت يومه . 





(35)

) من ماجْدولين إلى استيفن )



مرت بي اليوم صديقتي سوزان وهي عائدة من مصيفها إلى كوبلانس فاغتبطت بها اغتباطا عظيما ، وتمنيت أن لو كنت حاضرا بيننا لتراها ، فترى أجمل الفتيات وجها ، وأرقهن شمائل ، وأعذبهن حديثا ، وأجمعهن لأفضل الصفات وأكرمها ، 

فهي تنطق بلغات كثيرة ، وتحسن الرسم والتصوير ، وتوقع على جميع أنواع الأوتار ، وتغني غناء ساحرا فتانا ، ولها ثغر وضاء لا يفارقه الابتسام لحظة واحدة ، 

ولا يطربها في الحياة شيء مثل مناظر اللهو واللعب ، ولا يعجبها حديث مثل حديث المحافل والمراقص ، 

وقد أصبحت مُفْتتِنة بها لا أكاد أصبر عنها لحظة واحدة ، ورجائي إليك يا استيفن أن تحبها كما أحبها ، وأن تتودد إليها كثيرا يوم تراها . 



لم يبقَ في الصحيفة موضع أكتب إليك فيه شيئا سوى أن أقول لك ، إني أحبك .





(36)

) من استيفن إلى ماجْدولين )



سأحب صديقتك يا ماجْدولين كما أمرت ، ولكن ليس لأنها جميلة فاتنة كما تقولين ، فقد ملأ جمالك فضاء قلبي فلم تبق فيه بقية لسواك ، 

ولا لأنها ترقص أو تغني ، فإن نفسي الحزينة لا يشفيها من دائها إلا أحد الأمرين : إما لقاؤك ، أو الموت ، بل لأنها تؤنس وحشتك ، وتخفف آلامك ، وتعينك على احتمال أعباء الحياة وأثقالها ، فاشكريها عني شكرا جزيلا ، 

وبلغيها تحيتي وسلامي . لا يزال الدهر عابسا في وجهي ، ولكنني صابر محتمل ، لا أيأس ولا أستسلم ولا تفتر لي همة حتى أنال بغيتي ، 

والسلام . 





(37)

) من أوجين إلى استيفن )



وصلت إليَّ هدية السيدة ماجْدولين ، فشكرت لها صنيعا شكرا جزيلا ، ولقد أصبحت بفضل هديتها صاحب رداء جديد كنت في أشد الحاجة إليه وكانت يدي تقصر عنه ، فابتعته وأصبحت فخورا مختالا به بين أترابي وعشرائي ، 

فبلغ صاحبة الهدية شكري ، وأرجو أن أراها في عهد قريب فأجزيها خيرا بما فعلت ، 

فإن عجزت عن ذلك فلا أعجز عن أن أحدثها عن الوقائع الغريبة التي شاهدتها أحاديث جميلة عذبة تملأ قلبها غبطة وسرورا . 

شاهدت بالأمس أول وقعة من وقائع الحرب فجزعت عند الصدمة الأولى ، ولكنني ما لبثت أن سمعت صهيل الخيل وقروع الطبول وأزيز الرصاص ، وأنغام الموسيقى الحربية حتى انتشيت واندفعت بجوادي اندفاع السيل المنهمر لا أشعر بشيء مما حولي ، ولا أرى إلا بريق سيفي في يدي ، ولقد امتلأت نفسي غبطة وسرورا عندما رأيت جيش العدو يتقهقر أمام جيشنا ، حتى خيل إليَّ أنني أنا الذي زحزحته وحدي عن مكانه وألجأته إلى الفرار ، وقد عرف قائدي فضل ما أبليت في هذه المعركة فرقاني إلى درجة . صف ضابط ولي أمل أن أعود إليكم في عهد قريب باسم الضابط أوجين .





(38)

) من استيفن إلى ماجْدولين )



قد ابتسم لي الدهر قليلا يا ماجْدولين ، فقد زارني أستاذي بالأمس في الخان الذي أنزلهبعد ما انقطعت عن زيارته بضعة أسابيع لأمر ما ، 

وبشرني أنه وجد لي عملا في بعض المدارس الكثيرة 

بوظيفة صغيرة بمرتب قليل ، ، وقال لي : إن مدير المدرسة وعده أن يضاعفه لي ضعفين بعد ثمانية أشهر ، 

فحمدت الله على ذلك . لا صعب في الحياة يا ماجْدولين غير الخطوة الأولى ، فإذا خطاها المرء هان عليه ما بعدها ، فلِنهْنأ منذ اليوم باللقاء ، ولنغتبط بالسعادة التي طالما تمنيناها حتى بلغناها . 





(39)

) من إدوار إلى استيفن )



لا يزال النزاع قائما بيني وبين عمي ، يأبى إلا أن أعيش عيش المقلين ، وآبَِى إلا أن أتمتع بمالي الذي ورثته عن أبي كما أحب وأشتهي ، 

ولا أدري ما الذي يعنيه من الحرص على مال يعلم أنه ليس له ، وأن مصيره مهما طالت الأيام لصاحبه ؟ 

ولكنها خلة البخلاء الأشحاء ، لا يقع في أيديهم شيء من مالهم أو من مال غيرهم حتى تلتوي أصابعهم عليه التواء الحية على العصا ، ثم لا يفلت منها بعد ذلك ، فمثلهم كمثل الحِبَالَة التي تنطبق حافتاها على كل ما يدنو منها ، 

وإن لم تجنِ لنفسها من وراء ذلك شيئا . على أنها أيام قلائل ستنقضي ؛ وسأبلغ سن الرشد بعد بضعة أشهر ، فلا يبقى له ولا لغيره عليَّ من سبيل . 

أَلمَمْتُ ببعض شأْنك الحاضر ، وعلمت أن أهلك قد نقموا منك مخالفتك إياهم ، وعصيانك أمرهم ، فوكلوك إلى نفسك ، ونفضوا أيديهم منك ، فتركت لهم كوبلانس 

وسافرت إلى جوتنج تطلب لنفسك فيها الرزق من طريق العمل ، فلم يوافك حتى اليوم ما تريد ، فليت الذي كان يا صديقي لم يكن ، وليتك أخذت بذلك الرأي الذي رأيته لك من قبل ، وسلكت إلى الحياة طريقا غير هذا الطريق الخيالي الذي تسلكه اليوم ، 

فتزوجت من الفتاة التي اختاروها لك ، وظفرت بنعمة العيش في ظلالها ، فلا سعادة في الدنيا غير سعادة المال ، وكل ما في أدمغة البشر من علم وعقل ، 

وما في أجسامهم من قوة وأيد ، وما في نفوسهم من فضائل ومزايا ، إنما هي سبل للمال ، وذرائع إليه . 



أهديك تحيتي وسلامي وربما زرتك في عهد قريب في جوتنج فقد ضقت ذرعا بذلك الرجل ، وأصبحت لا أطيق البقاء معه لحظة واحدة في بلد واحد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق