الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

من 50 إلأى 59


(50)

) الملعب )



جلست سوزان وماجْدولين في مقصورة الأوبرا وجلس بجانبهما ابن عمة سوزان ألبرت ، وابن عمها اشميد ، وهما فتيان جميلان متأنقان في ملبسهما ، وحليتهما ، شأنهما في حياتهما شأن أمثالهما من الفتيان الأثرياء المستهترين الذين تنقسم حياتهم كلها إلى ساعتين اثنتين : 

واحدة للضحك والسرور ، والأخرى لتصبي النساء واستغوائهم ، 

فينفقون على الأولى عقولهم ، وعلى الثانية أموالهم ، حتى لا يبقى لهم من هذا ولا ذاك شيء . 

جلسا يقلبان النظر في وجوه الجالسين في المقاصير المقابلة لهما ، فإن وجدا وجها جميلا تغامزا وتهامسا ، أو قبيحا ضحكا وسخرا ، 

ثم علا صوتهما بالضحك والسخرية ، 

وما لبثت سوزان أن اشتركت معهما ، في الضحك والسخرية ، ثم تبعتها بعد قليل ماجْدولين ، ولم يكن ذلك من شأنها 

وبينا هي تقلب نظرها في المقاصير المجاورة لمقصورتها إذ رأت امرأة في سن الشيخوخة تلبس زينة الفتيات وحليتهن ، فلفتت نظر أصدقائها إلى ذلك ، فضحكوا لفطنتها ضحكا عاليا رنانا ، لا لأن هناك فطنة تستحق الإعجاب والإطراء ، بل لأنهم أرادوا أن يجازوها مجاملة بمجاملة ، ومصانعة بمصانعة ، 

فخدعها هذا الإطراء ، فاسترسلت في نكاتها ومجونها حتى كادت تستأثر بالحديث وحدها من دونهم جميعا . 

وإنهم لكذلك إذ هتف ألبرت وأشار إلى رجل جالس على كرسي في مؤخرة الصفوف : أذكر أني : رأيت هذا الوحش المستأنس مرة قبل اليوم ولا أدري أين رأيته ؟ 

وقال اشميد : هل رأيتم أعجب من هذا القرد اللابس ثوب الإنسان ؟ 

وقالت سوزان : أظنه قدم الملعب الساعة ، فإني لم أَرَهُ قبل هذه اللحظة .

وقال اشميد : وما أحسبه إلا الشيطان الذي كانوا إن حلته وإن كانت ثمينة فاخرة فهي من يخيفوننا به صغارا ولا نراه ،أو لعله سرقها من قبور الفراعنة أو دور الآثار .

فأجابه ألبيرت : أو لعلها من الحلل التاريخية التي لا يلبسها إلا الممثلون ، 

فقالت سوزان لا عار على الرجل أن يكون قبيحا ، ولكن القبيح أن يمتلك مثل هذه الحلة الثمينة ثم يعجز أن يشتري مشطا يمشط به شعره المشعث ، وكذلك لا يصح أن يلبس مثله ثيابا جميلة تختلف صورتها عن صورته فتلفت الأنظار إلى قبحه ودمامته .

ثم التفتوا جميعا فرأوا ماجْدولين قد تراجعت إلى الوراء وهي ترتعد وتضطرب وقد استحالت حمرة وجهها إلى صفرة كصفرة الموت ، 

فسألوها ما بالها ؟ فزعمت أنها مقرورة وأنها تشعر برعدة في جسمها ، ودوار في رأسها ، ولم تكن صادقة فيما تقول ، ولا يمكن أن تصدقهم فيما تقول ؛ لأن الرجل الذي يسخرون منه ويتناولونه منذ حين بألسنتهم ويذهبون كل مذهب في تحميقه وتجهيله والسخرية به ؛ إنما هو خطيبها الذي تحبه وتستهيم به ، 

فأمسكوا عن الضحك هنيهة وأقبلوا عليها يعللونها حتى هدأ ما بها ، فانصرفوا إلى الرواية يشاهدون فصولها ، 

وعادت هي إلى مجلسها الأول ، وظلت تخالس استيفن النظرة بعد الأخرى حتى انتبه لها فحياها بابتسامة خفيفة لم يشعر بها أحد غيرها ، 

ثم ما لبثت الرواية أن انتهت فنهضوا للانصراف ، 

وألقت ماجْدولين على استيفن نظرة ضمنتها معنى شكرها إياه على اهتمامه بها ، وحضوره لرؤيتها ، 

ثم انصرفوا . 










(51)

) الرجل والمرأة )



ينظر الرجل إلى المرأة في حبه إياها بعين غير العين التي تنظر بها إليه في حبها إياه ، 

فهو يراها أداته الخاصة به التي لا حق لإنسان غيره في التمتع بها بوجه من الوجوه ، 

ويرى أن حقا عليها أن تختصه بجميع مزاياها وصفاتها ، فلا تقع على حسنها عين غير عينه ، 

ولا تسمع رنة صوتها أذن غير أذنه ، ولا يشعر بروعة جمالها قلب غير قلبه ، فيغار عليها من النظرة واللفتة ، وكلمة الاستحسان ، وبسمة الإعجاب ، ويخيل إليه أن الناظرين إليها والمحتفلين بها والمتحدثين بأحاديث حسنها وجمالها إنما هم قوم جناة متلصصون قد مدوا أيديهم إلى خزانة ذخائره التي يملكها وحده من دون الناس جميعا ، 

فاختلسوا من جواهرها جوهرة لا حق لهم فيها ، وفازوا بها من دونه ، فيُلِمُّ بنفسه من الألم والامتعاض ما يلم بنفس الشحيح المختل إذا رأى السابلة تفر من حر الهاجرة إلى جدران داره لتستذري بظلالها ساعة من الزمان ، 

وإن لم يضره ذلك شيئا ، وقد يكون من أشهى 

الأشياء إلى نفسه وأعجبها إليه أن يرى الناس قد أجمعوا رأيهم على استقباحها والزراية عليها ووصفها بأقبح الصفات وأشنعها ، وأنها قد أصبحت في نظرهم ضحكة الضاحكين ، وآية السائلين ، حتى يكون جمالها سرا من الأسرار الخفية ، لا تراه عين غير عينه ، ولا يبلغ صميمه نفس غير نفسه . 

أما المرأة فتنظر إلى الرجل الذي تحبه نظرها إلى حليتها التي تلبسها وتعتز بها وتدل بمكانها على أترابها ونظائرها ، فلا أوقع في نفسها ولا أشهى إلى قلبها من أن تسمع الرجال يقولون عنه إنه رجل عظيم ، والنساء يقلن عنه إنه فتى جميل ، 

فهي تحبه لخيلائها وكبريائها أكثر مما تحبه للذاتها وشهواتها ، 

وترى في إعجاب المعجبين به وافتنان المفتتنات بحسنه وجماله اعترافا منهم بحسن حظها وسطوع نجمها ، 

واكتمال أسباب سعادتها وهنائها ، وهذا كل ما يعنيها من شئون حياتها . 

لذلك شعرت ماجْدولين بلوعة الحزن في أعماق قلبها حينما عرفت أن حليتها التي كانت ترجو أن تفاخر بها أترابها غدا وتكاثرهن بحسنها وجمالها ، قد بدأتها العيون ، واقتحمتها الأنظار ، 

وسخر منها الرجال والنساء جميعا ، وظلت تفكر في ذلك ساعة كابدت فيها من آلام النفس ولواعجها ما تكابد نفس المحتضر في ساعته الأخيرة ، 

ثم لم تلبث أن عادت إلى نفسها وظلت تقول : إنهم لا يعرفون من أمره شيئا ، ولو أنهم علموا من شأنه بعض الذي أعلم ، وعرفوا ما تنطوي عليه جوانحه من الفضائل والمزايا ، 

لأعظموا منه ما استصغروا ، وأجلوا ما احتقروا ، ولأنزلوه من نفوسهم المنزلة التي يستحقها فضله وكرمه . 

وهنا ذكرت آماله وأحلامه ، وبؤسه وشقاءه ، وما يكابده في حياته من شدة وبلاء في سبيل عيشه مرة وحبه أخرى ، فبكت رحمة وإشفاقا عليه . 

وهكذا أخذ حبها يستحيل إلى رحمة وشفقة ، والحب إذا استحال إلى هذين فقد آذن نجمه بالأفول . 





(52)

) من استيفن إلى ماجْدولين )



رأيتك يا ماجْدولين بعد افتراقنا عاما كاملا ، وكانت ساعة من أسعد الساعات وأهنئها ، فغفرت للدهر من أجلها كل سيئاته عندي ، 

بل نسيت عندها أنني ذقت طعم الشقاء ساعة واحدة في يوم من أيام حياتي ، وظللت أقول في نفسي : هذا شأني ولم أَرَهَا إلا لحظة واحدة على البعد ، 

فكيف بي إذا أصبحت كل ساعات حياتي ساعات لقاء واجتماع ؟ 

إني أذكر ذلك يا ماجْدولين فيُخيل إليَّ أن قلبي أضعف من أن يحتمل هذه السعادة كلها ، 

وأنها يوم توافيني ستذهب إما بعقلي أو بحياتي . 

عفوا يا صديقتي ، فقد أذنبت إليك بيني وبين نفسي ذنبا لا بد لي من أن أعترف لك به حتى لا أكون قد أذنبت إليك ذنبا آخر بكتمانه وإخفائه . 

وقلبي يخفق رعبا وخوفا أن تكون الحياة الجديدة التي انتقلت إليها في جوتنج قد نالت من نفسك منالها من نفوس الفتيات الضعيفات اللواتي تتلون قلوبهن وأهواؤهن بلون الهواء الذي يستنشقنه ، والجو الذي يعشن فيه ، 

فلما رأيتك ورأيت تلك السحابة السوداء من الحزن التي كانت تغشى وجهك وتظلله ، ومنظر عينيك الساجيتين المنكسرتين المملوءتين كآبة وحزنا ، علمت أني مخطئ في هواجسي وظنوني ، وأن المكان الذي شغلته من قلبك لا يزال آهلا بي كعهدي به ، 

وأن تلك الريبة التي عرضت لنفسي فيك إنما هي وساوس الحب وأوهامه ، 

غير أن لي عندك أمنية واحدة أحب أن تأذني لي بذكرها ، وأن تنوليني إياها . 

رأيتك في الملعب تلبسين ثيابا رقيقة ناعمة تشف عن ذراعيك وكتفيك ونحرك ، وتكاد تنم عن صدرك وثدييك ، ورأيت الأنظار حائمة حولك تكاد تنتهبك انتهابا ، فاشتد ذلك عليَّ كثيرا ، وألم بنفسي من الغيظ والألم ما الله عالم به ، وما أحسب أنك كنت راضية عن نفسك في هذا المنظر الذي ظهرت به بين الناس ، ولكنك خضعت فيه لرأي النساء ، 

ورأيهن في هذا الشأن أخيب الآراء وأطيشها ، فرجائي عندك أن تنزعي عنك هذه الشفوف المهلهلة ، وأن تعودي إلى ثيابك القروية الأولى ، 

صونا لجسمك من عبث الأنظار وفضولها ، فليس يكفيني منك أن تهبيني قلبك وتؤثريني بمحبتك ، بل لا بد لك من أن تذودي عنك قلوبالرجال وأفئدتهم ، فلا تجعلي لها سبيلا إلى الافتتان بك ، 

أو الاهتمام بشأنك ، لا بالبشاشة والوداعة ، ولا بالتزين والتحلي ، ولا بالتجمل والتأنق ، 

واعلمي أن المرأة لا تخلص للرجل الذي تحبه الإخلاص كله حتى تؤثره بجميع مزاياها وصفاتها ، فلا تحفل برأي أحد فيها غير رأيه ، ولا تنزل منزلة الرضا في قلب غير قلبه ، ولا تأذن لكائن من كان أن يقول لها في وجهها ، أو بينه وبين نفسه ، أو في رُؤَاه وأحلامه : إنها جميلة أو فتانة ، أو ما أظرفها وأبدعها ! حتى توافيه طاهرة نقية كاللؤلؤة المكنونة التي يلتقطها ملتقطها من صدفتها . 

وسأذهب مساء كل أحد إلى الملعب لأراك ، وألتمس السبيل إلى لقائك ،

تحيتي إليك وإلى السيدة سوزان . 





(53)

) الدَسيسة )



دخلت سوزان على ماجْدولين في غرفتها فرأتها جالسة جلسة الحزين المكتئب ، ورأت ذلك الكتاب في يدها فاختطفته منها قبل أن تتمكن من إخفائه ، فقرأته ثم ابتسمت وقالت لها : لم يبقَ على خطيبك هذا يا ماجْدولين سوى أن يأمرك بأن تشوهي وجهك ، أو تفقئي إحدى عينيك ، أو تجدعي أنفك ، أو تهشمي مقدم أسنانك ، حتى تَبْذَأَكِ العيون ، وتقتحمك الأنظار ، 

وتقشعر لرؤيتك الأبدان ، فلا يجرؤ أحد على أن يقول لك بلسانه ، أو بينه وبين نفسه : إنك جميلة أو فتانة ، وأن تحملي بيدك قيثارة رنانة تطوفين بها أنحاء البلاد كما كان يفعل شعراء اليونان والرومان في عصورهم الأولى وتتغنين عليها بمدحه والإشادة به ، 

وتنشدين أناشيد الثناء على حسنه وجماله ، فما أقل عقله ، وأقصر نظره ، وأجهله بالحياة وشئونها ! 

إني لأحسبه قد أعد لك في بيته منذ الساعة قفصا من حديد يستقبلك به يوم تزفين إليه ليسجنك فيه ، ثم يقف على بابك حارسا يقظا يصونك من عبث العيون وفضول الأنظار ، فلا ترين إلا وجهه ، 

ولا تسمعين إلا صوته ، ولا تشعرين بوجود أحد في العالم سواه . 

فقالت ماجْدولين : إنك تتهمينه يا سيدتي بما ليس فيه ، فهو من أحسن الناس أدبا ، وأشرفهم نفسا ، وأطيبهم قلبا ، ولكنه محبّ ، وكل محبّ غيور .

قالت : أعاذني الله وإياك من حبّ يختلس الحياة اختلاسا ، ويأتي عليها بأسرع من ضربة السيف ، وكَرَّة الطَّرْفِ ، والله لو جاء في خطبتي ملك من ملائكة السماء يحمل على رأسه تاج الملأ الأعلى ويمهرني بالجنة التي أعدها الله للمتقين وما فيها من حور وولدان ورَوْح وريحان ويعدني بالخلود الدائم والنعيم الذي لا يفنى على أن يضعني في قفص مثل هذا القفص الذي أعده لك هذا الخطيب المَأْفُون لآثرت موت الفجأة والتغلغل في أعماق السجون والفرار إلى أديرة الصحاري المنقطعة على الرضا به ، والنزول على شرطه . 

ثم نهضت قائمة وقالت : محال أن أخاطر بك وبمستقبلك يا ماجْدولين ، وأن أتركك فريسة في يد هذا الوحش المفترس ، ينغص عليك عيشك ، ويكدر صفو حياتك ، ويقتطف زهرة شبابك الغضة قبل أوانها .

ثم حيتها وانصرفت إلى مخدعها . 

فقضت ماجْدولين بعد انصرافها ليلة ليلاء لا تستريح فيها من الضجعة إلا إلى القعدة ، ولا من القعدة إلا القومة ، تتلمس بارقة الصواب في هذه الدجنة الحالكة فلا تهتدي إليه ، وتقلب أمرها ظهرا لبطن فلا يزيدها التلقيب إلا جهلا ، حتى غلبتها السنة على عينيها فنامت . 










(54)

) من أوجين إلى استيفن )



صدر أمر القيادة العليا للتهيؤ للسفر بعد بضعة أيام إلى جهة لا نعرفها ، ويقول ضابطَنا : إن هناك ستكون الواقعة الكبرى التي يفصل فيها في مستقبل الحرب ، ولا أعلم ماذا يعده القضاء لي في ذلك اليوم ، 

فإن قدر لي الله النجاة فسأكتب إليك ، وإن كانت الأخرى فستقر أاسمي بين أسماء القتلى في جريدة الحرب ، ولا يحزنك في ذلك اليوم مصيري ، 

فهو مصير كل رجل شريف . 

لي إليك حاجة يا استيفن أرجو ألا تضن عليَّ بها : قد بَلِيَ سرجي ووهت علائقه ، ولم يبقَ معي من المال — بعد ما أنفقت عطائي كله في هذا الشهر بين اللعب والشراب— ما أبتاع به سرجا غيره ، 

فابعث إليَّ بعشرين فرنكا قبل مرور عشرة أيام ، فإن فاتك أن ترسل إليَّ في ذلك الوقت فلا ترسل إليَّ شيئا ، فإنه لا يصلني ، وتحيتي إليك وإلى السيدة ماجْدولين . 





(55)

) العرس )



استطاع استيفن بعد سفر صديقه ادوار أن يستفضل جزءا من مرتبه الشهري ، فاجتمع له بعد بضعة أشهر خمسون فرنكا ، استأجر بسبعة منها الحلة التي ذهب بها إلى ملعب الأوبرا لرؤية ماجْدولين ، وابتاع بخمسة تذكرة الملعب ، غير ما أنفق على طعامه وشرابه وسفره ، وبقي معه بعد ذلك اثنان وعشرون فرنكا ، 

فلما عاد إلى جوتنج لبث بضعة أيام ينتظر كتابا من ماجْدولين ردا على كتابه الأول فلم يأته ، فساء ظنه ، ووقع في نفسه أنه قد أغضبها وآسفها فيما كتب به إليها ، 

فاشتد حزنه وغمه ، وكتب لها رسالة أخرى يعتذر إليها فيها عما ورد في رسالته الأولى ، فكتبت إليه أنها كانت عاتبة عليه في سوء ظنه بها ، واشتداده في مؤاخذتها ، وأنها قد قبلت عذره ، وسألته ألا ينقطع عن زيارة الملعب لتراه ، 

فعزم على أن يسافر يوم الأحد ليراها ويلتمس السبيل إلى مقابلتها بكل وسيلة ، ليجدد لها اعتذاره بنفسه ، ويشكر لها صفحها عنه ورضاها عليه . 

فبينما هو جالس في غرفته صباح اليوم الذي عزم فيه على السفر إذ جاءه كتاب أخيه ، فحزن عند قراءته حزنا شديدا ، وذكر أنه لا يملك من متاع الدنيا غير هذه القطع القليلة وأنه في حاجة إليها لينفقها على زيارة ماجْدولين ، 

فلبث حائرا لا يدري ماذا يصنع ، ثم غلبته عاطفة الحب على كل عاطفة سواها ، فقام ليهيئ نفسه للسفر ، وابتاع نعلا جديدة ؛ لأن نعله القديمة كانت قد بليت وبلغت آخر درجات الاحتمال ، 

فعجز عن استئجار الحلة التي استأجرها في المرة الأولى ، فلم يجد بدا من أن يستصلح حلته التي يلبسها ، فرتق فتوقها ، وصبغ بالمداد الأسود ما ابيض من خيوطها ، ثم ركب عجلة وسافر في الساعة الأولى من الليل ، 

فأكل في بعض المطاعم الصغيرة في كوبلانس ، ثم ذهب إلى الملعب فلم ير ماجْدولين في مقصورتها ، فلم يقلق لذلك كثيرا وقال : لعل لها شأنا شغلهاعن التبكير ، وهي آتية ما من ذلك بدّ ، 

وأقبل على المسرح يتلهى بالنظر إلى فصوله ، فرأى بين القطع الممثلة مشهد رجل من أرباب الثراء والنعمة قد استهام بحب امرأة واستهامت به ، ثم نزلت به نكبة من النكبات المالية فتنكرت له ، وبرمت به ، وعزمت على مقاطعته والرحيل عنه ، 

فجثا الرجل بين يديها يستعطفها ويسألها ألا تفعل ، فأبت وصارحته بالسبب الذي يدعوها إلى مقاطعته ، وقالت له فيما قالت إن المرأة لا تحب الرجل أبدا ، بل تحب فيه نفسها ، فإن كان من أرباب المال أحبت فيه زينتها ولهوها ، أو من أرباب الجمال 

أحبت فيه لذتها وشهوتها ، فإن لم يكن أحد الاثنين ، فهي لا تحب إلا هذين الأمرين .

فاشمأز استيفن عند سماع هذه الكلمة ، وقال في نفسه : إنهن يمثلن أخلاق البغايا الفاسقات ، ويزعمن أنهم يمثلن أخلاق النساء عامة ، ها هي ذي ماجْدولين تكاد تعبدني حبا ، وما أنا من أرباب الجمال فتحب فيَّ شهوتها ، ولا من أرباب المال فتحب فيَّ زينتها ، ولقد أراد الله بها خيرا إذ كفاها مئونة سماع هذه الكلمات المنفرة ، ولو سمعتها لآلمتها ونالت من نفسها منالا عظيما . 

ثم انتظر بعد ذلك ساعة فلم تأتِ ، فلم يبقَ له أمل في مجيئها ، وعلم أن هناك شأنا عظيما عرض لها فشغلها عن الحضور ، فاشتد عليه الأمر كثيرا ، ورأى ألا بد له من الوقوف على شأنها قبل العودة إلى قريته ، 

وخشي أن تكون مريضة ، فخرج من الملعب وهو لا يعلم كيف يلتمس السبيل إلى الوصول إليها حتى مشى في طريق قصر سوزان فلما دنى منه رأى أنوارا كثيرة تتلألأ في أبهائه وحجراته ، وتتدفق من نوافذه وكواه ، وسمع ألحانا مختلفة تتردد في أنحائه ، ورأى الخدم رائحين غادين في صحونه وأفنيته يحملون على أيديهم آنية الشراب وصحف الطعام ، 

فعلم أنها وليمة عامة ، ولكنه لم يدر ما المراد بها ، فدنا من الباب ، فرأى عجلات كثيرة مصطفة أمامه ، ورأى حوذيا متكئا على كرسي عجلته ، فسأله : ما هذه الليلة الحافلة في هذا القصر ؟ 

فصعد الرجل نظره فيه وصوبه ثم قال له وهو لا يفارق متكأه : إنه عرس السيدة سوزان ابنة صاحب هذا القصر .

فاطمأن وهدأ ، وعلم أن ما بصاحبته من بأس ، وعزم على الانصراف ، ثم حدثته نفسه أن يحتال لرؤيتها ولو على البعد لحظة واحدة قبل انصرافه ، 

فمشى إلى ظلة دانية من ظلل القصر فوقف تحتها يفكر في الوسيلة التي يتذرع بها إلى الدخول ، فما لبث أن رأى عجلة مقبلة تحمل بعض الكبراء ، ورأى الخدم يهرعون إليها فانفتل من مكانه واختلط بهم كأنه واحد منهم ، ولا تختلف هيئته عن ذلك إلا قليلا ، 

ثم نزل الزائر فمشى بين يديه مع الماشين حتى اجتازوا فناء القصر ووصلوا إلى قاعة الرقص ، فدخل الرجل ودخل معه الخدم وبقي هو وحده على الباب يستشف من ألواح زجاجه ما وراءها من المناظر ، فرأى الراقصين والراقصات يسبحون في بحر من الهناء والسرور ، ويطيرون في أجواء مختلفة من اللذائذ والمناعم ، فظل يدير عينيه بينهم يفتش عن ماجْدولين حتى لمحها ترقص مع رجل ، فتبينه فإذا هو صديقه ادوار ، 

فلم يَأْبَهْ لذلك كثيرا ، إلا أن ما راعه وأزعجه وكاد يطير بلبه ، أنه رآها ترقص في ثوب رقيق شفاف لا يكاد يحجب جارحة من جوارحها ، 

وخيل إليه أن صدرها ملتصق بصدر مخاصرها ، وأن رأسها ملقى على كتفه ، وخدها تحت متناول لثماته ، وأنه يحتضنها أكثر مما يخصرها ، 

فَأَنَّ أنينا مؤلما وقال في نفسه : ماذا فعلت بك الأيام يا ماجْدولين ؟ 

وحدثته نفسه أن يقتحم الباب ويتغلغل بين الزائرين حتى يبلغ مكانها ويلقي عليها نظرة عتب وتأنيب ثم يعود أدراجه ، ولكنه استحيا لها ولنفسه أن يراه الناس في هذه الأثواب الجافية الغليظة ، 

فتماسك على مَضَض ، وأنشأ يسري عن نفسه ويقول : هذا شأن جميع الراقصين والراقصات ، وهذه أثوابهم التي يلبسونها ، ومواقفهم التي يقفونها ، برهم وفاجرهم ، تقيهم وعاهرهم ، فلا ألومها ولا أعتب عليها ، 

فلتلبس ما تشاء من الثياب ، ولترقص مع من تشاء من الرجال ، فحسبي منها أني أنا الشخص الوحيد الذي يُتَيِّمُها ويملأ فراغ قلبها من بين هؤلاء جميعا .

ثم أعاد النظر مرة أخرى فرآها قد فرغت من الرقص ومشت هي وادوار إلى مقعد قريب من الباب فجلسا عليه ، فلم ير في مجلسهما بأسا ولا مسترابا ، فهدأ ثائره ، بل أعجبه ما رأى من عناية صديقه بها ، وعطفه عليها ، وخيل إليه أنه ما رقص معها ولا احتفل بها إلا من أجله ، 

وأنهما ما اجتمعا على هذا المقعد في هذه الساعة إلا ليتحدثا بشأنه ويتذكرا أيامه ووعوده .

ثم ما لبث أن لمح في أصبعها خاتما فتبينه فإذا هو الخاتم الذي نسجته من شعره ، والذي لا تزال تحدثه عنه في رسائلها كلما كتبت إليه ، فاغتبط بذلك اغتباطا عظيما ولم يبق في نفسه من ذلك الخاطر المؤلم الذي مر بذهنه منذ ساعة أثر واحد . 

وإنه لكذلك إذ دُفع الباب بغتة وخرج منه فتى متأنق من الزائرين يهز في يده سوطا مستطيلا ، فرآه واقفا فظنه بعض الخدم ، فصرخ في وجهه بلهجة الآمر أن يدعو له سائق عجلته ، وسماه له ، 

فارتبك قليلا ، ثم لم ير بدا من الامتثال مخافة أن ينكشف من أمره ما كان خافيا ، فهرع إلى الباب الخارجي يهتف باسم غير الاسم الذي سمعه ، وكان قد نسيه ، فأدركه الفتى وقد طار الغضب في دماغه فضربه بالسوط على وجهه ضربة أدمته وأخذ يسبه ويشتمه ، 

فاحتمل استيفن تلك الضربة صامتا ، ومشى في طريقه لا يلوي على شيء . وما أبعد إلا قليلا حتى انحدرت من جفنه دمعة جرت على خده فأصابت موضع الضربة منه فآلمته ، فهتف صارخا : ماذا لقيت في سبيلك يا ماجْدولين ؟ ! 





(56)

) المريض )



عاد استيفن إلى جوتنج فوجد كتابا من قريبه الذي كان قد أحسن إليه بتلك القطع الذهبية يوم خروجه من كوبلانس شريدا طريدا 

يقول له فيه : إنه مريض مشرف على الموت ، وإنه يحب أن يراه بجانبه في ساعته الأخيرة .

فرثى له وحزن عليه حزنا شديدا ، ورأى ألا بد له من موافاة رغبته في الذهاب إليه ، فاستأذن المدرسة في بضعة أيام يقضيها بجانبه ، فلم تأذن له إلا بثلاثة ، منها 

فسافر إليه ، وكان يسكن وحده بيتا في ضاحية من ضواحي كوبلانس لا يُرى فيه إلا وجه خادمه وطبيبه ، وكانت زوجته قد ماتت منذ عهد قريب ، 

وليس له من الأقارب الأدنين غير ابن عم له من قساة الأغنياء وجفاتهم ، لا يحبه لم يحفل بشأنه .

فدخل عليه استيفن في ساعة من ساعات الليل فرآه ساهرا يئن من الآلام والأوجاع ، 

وقد نال منه الداء منالا عظيما ، فأصبح لا يستطيع النطق إلا همهمة وتجمجما .

فجلس استيفن بجانبه يتوجع له ويواسيه حتى استطاع الرجل بعد لَأيْ أن يقول له : لقد مرت بي بضعة أشهر وأنا طريح هذا الفراش لا أفارقه لحظة واحدة حتى مللت وبرمت ، 

وأصبحت أخشى غائلة الضجر أكثر مما أخشى غائلة المرض ، فلا تفارقني بعد اليوم حتى يحكم الله في أمري بما يشاء . 

فلبث معه الثلاثة أيام التي أجازوه بها ثم عزم على العودة ، 

فتوسل إليه المريض بانكسار عينيه وترقرق الدمع فيهما ألا يفارقه حتى يقضي الله في أمره بقضائه .

وقد ثُقلَ على استيفن أن يفارقه حيث أصبح الرجل على حالة لا تُرجَى له معها الحياة ، 

وكتب إلى المدرسة يستأذنها في بضعة أيام أخرى يتخلفها وأدلى إليها بعذره في ذلك ، ولبث ينتظر جوابها فلم يَأْتِهِ ، واشتد به القلق ، ثم جاءه منها بعد حين كتاب تقول له فيه : إنها لم تَرَ بدا من الاستغناء عنه والاستبدال به ، 

وإنها قد أرسلت إليه ما بقي له عندها من مرتبه ، فما أتى على آخر الكتاب حتى صاح صيحة كادت تنقد لها أضالعه قائلا : رحمتك اللهم فقد عجزت عن الاحتمال .

وسقط مغشيا عليه .





(57)

) الموت )



نامت العيون وهدأت الجنوب في مضاجعها ، وسكنت كل سارية في الأرض ، وكل سابحة في السماء ، 

وظل استيفن ساهرا وحده بجانب مريضه المحتضر يسمع حشرجة الموت في صدره ترن في هدوء الليل وسكونه ، 

فيخيل إليه أنه واقف في وسط فلاة موحشة تعزف جنانها ، وتزمجر غيلانها فامتلأت نفسه رهبة ووحشة ، وأن هناك معركة قائمة بين الروح والجسد ، تأْبى إلا أن تفارقه ، ويأبى إلا أن يتشبث بها ، 

فيدركه من التعب والنصب ما لا يحتمله محتمل ، حتى عَيَّ بأمرها ، فتساقط خائرا مستسلما لا تطرف له عين ، ولا ينبض له عرق ، 

فوضع استيفن أذنه على صدره فلم يسمع شيئا ، فعلم أن الأمر قد انقضى ، وأن الراقص قد ألقى قناعه ، والممثل قد خلع ثوب تمثيله ، وأن عنصرَي الحياة قد افترقا وعاد كلّ منهما إلى أصله ، 

فطار منهما ما طار ، ورسب ما رسب ، 

فجثا بجانب الميت يرثيه ويتوجع له ، ويبكي عليه مرة وعلى نفسه أخرى ، 

ومرت أمام نظره في تلك الساعة رواية حياته الماضية من مبدئها إلى منتهاها ، فظل يقرؤها صفحة صفحة ، ويقلب نظره في سطورها وكلماتها ، فرأى بؤسا وشقاءً ، وأحزانا ودموعا ، وجدودا عاثرة ، ونحوسا متتابعة ، حتى انتهى إلى الصفحة الأخيرة منها ، 

فقرأ فيها كتاب العزل الذي جاءه من المدرسة ، فانتفض عند قراءته انتفاضا شديدا ، وصاح صيحة عظيمة دوت بها أرجاء الغرفة قائلا : ما هذا ! هل فقدت ماجْدولين ؟ 

ثم أطرق إطراقا طويلا لا يعلم إلا الله أين سبحت نفسه فيه ، ولبث على ذلك ساعة ، ثم رفع رأسه فإذا عيناه جمرتان ملتهبتان ، وإذا وجهه أسود مربدّ كأنما قد لبس نسيجا غير نسيجه ، فدار بنظره في أنحاء الغرفة دورة الحية الرقطاء بجوهرتيها في جنبات جحرها حتى وقع على خزانة المال التي كان يأمره الميت في حال مرضه بالإنفاق منها ، 

فعلق بها ساعة لا ينتقل عنها ولا يتحول ، كأن عينيه قد استحالتا إلى مسمارين لامعين من مساميرها ، 

ثم وثب على قدميه فجأة وقد أصابه مثل الجنون وهتف صارخا : لا بد لي من النجاح في حياتي ، ولا أسمح لعقبة من العقبات مهما كان شأنها أن تقف في طريقي ، وإن الدهر لأعجز من أن يعترض سبيلي ، أو يغلبني على أمري ، 

فهو لا يغلب إلا الضعفاء ، ولا يقهر إلا الأغبياء ، وما أنا بواحد منهم ، 

وإن من الجبن والخور أن أضع حياتي بين يديه يتصرف بها كيف يشاء ، فلأكن أنا دهرا وحدي ، أتولى شأن نفسي بنفسي ، 

وأتصرف بحياتي على الصورة التي أريدها ، لا أتقيد بقانون ولا نظام ، ولا أسجن نفسي في هذه الدائرة الضيقة التي يسمونها الفضيلة ؛ 

فما سقط الساقطون في معترك الحياة ، ولا داستهم أقدام المعتركين فيه إلا لأنهم وقفوا من الميدان في نقطة واحدة لا يتحولون عنها ولا يتلحلحون فلم ينتبهوا إلى الضربات المختلسة التي جاءتهم من خلفهم فقضت عليهم ، ولو أنهم داروا مع المعركة حيث دارت ، وتقلبوا في جنباتها كرا وفرا لظفروا بالغنيمة مع الظافرين ، 

ولنجوا من غائلة الموت الزُّؤَام . 

لا رذيلة في الدنيا غير رذيلة الفشل ، وكل سبيل يؤدي إلى النجاح فهو سبيل الفضيلة ، وما نجح الناجحون في هذه الحياة إلا لأنهم طرقوا كل سبيل يؤدي إلى نجاحهم فاقتحموه غير متذممين ولا مُتَلَوِّمين ، وما سقط الساقطون فيها إلا لأنهم تأثموا وتحرجوا وأطالوا النظر والتفكير ، وقالوا : هذا حلال وهذا حرام . 

من هم الذين يملكون الدور والقصور ، والضياع الواسعة ، والرباع الحافلة ، والذين تموج خزائنهم بالذهب موج التنور باللهب ؟ 

أليسوا اللصوص والمجرمين الذين يسمون أنفسهم ويسميهم الناس سَُراة ووجوها ؟ 

من هم الذين يسهرون الليل طاوين لا يطرق النوم أجفانهم ، ويقضون أيامهم هائمين على وجوههم ، يفتشون عن الرزق في كل مكان فلا يظفرون منه باللقمة أو الجرعة إلا إذا أراقوا في سبيلها محجما من دماء قلوبهم ؟ 

أليسوا الأشراف والفضلاء الذين يسميهم الناس — ويسمون أنفسهم معهم — رعاعا وغوغاء ؟ 

أنا لا أعترف بقانون الملكية ولا قانون الوراثة ؛ لأن المالكين سارقون ، ولأن الوارثين أبناء السارقين ، فلا أسمي نفسي ظالما إلا إذا ظلمت عادلا مستقيما لم يظلم في حياته نملة في حبة شعير يسلبها إياها . 

إن نشاط الرذيلة وشطاطها أحرصمن أن يترك للفضيلة المتئدة المترفقة في سيرها شيئا وراءه تبلغه فتلتقطه ، فلأغامر في ميدان هذه الحياة مغامرة ، 

فإن ظفرت فذلك ما رجوت ، أو لا ، فقد أبليت في حياتي عذرا . 

وكان يهذي بأمثال هذه التصورات وهو يضرب في أرجاء الغرفة ذهابا وجيئة بخطوات واسعة متلاحقة ، ثم وقف بغتة وألقى نظره على الجثة المسجاة أمامه وقال : لقد أصبحت ميتا أيها الرجل ، فلا يعنيك من المال الذي تركته وراءك شيء ، ولا شأن لك بمن يخلفك عليه من بعدك أكان صديقك أم عدوك ، أم أقرب الناس إليك ، أم أبعدهم عنك ، 

ولقد كان جديرا بك وأنا صديقك وحميمك الذي واساك وجاملك في ساعاتك الأخيرة ، وقام لك بما لم يقم لك به صديق ولا حميم ، حتى أضاع آماله ومستقبل حياته في سبيلك ، أن توصي إليه بمالك ، فهو أحوج إليه من ابن عمك السعيد المجدود الذي لا يبالي أزاد مالك على ماله أم نقص منه ؟ 

فأنا قائم عنك بعد موتك بما فاتك أن تقوم به في حياتك . 

ثم أدار ظهره إلى الجثة ومشى إلى الخزانة وكانت على كثب منه ، فوضع يده على مفتاحها فشعر برعدة شديدة تتمشى في أعضائه ، وخيل إليه أن الغرفة كلها عيون ترقبه وتحدق في وجهه ، وأن روح الميت تلقي عليه من نوافذ جثتها نظرات شزراء ملتهبة يكاد أوارُها يصل إليه فيحرقه ، 

فتريث في مكانه قليلا ثم تماسك واستجمع لبه وأناته وأدار المفتاح ، فدار الباب على عقبه وصر في دورانه صريرا خشنا ، فارتعد وتمثل له أن صوتا أجش من أصوات الحراس الأشداء يهتف به ويخاشنه ، فابتعد عن الباب خطوة ، 

ثم التفت يَمْنَة ويَسْرَة فلم يرَ شيئا ، فقال : إنها خيالات الشقاء تلاحقني في كل مكان .

ومد يده إلى الأوراق يقلبها على نور مصباح ضعيف كان في يده حتى عثر بالسفاتج التي يريدها ، فما وضع يده عليها حتى شعر أن دمه الذي كان يغلي في عروقه غليان الماء في مرجله قد هدأ وبرد ، حتى كاد يقف عن الجريان ، 

وأن قطرات باردة من العرق تتحدر من جبينه على وجهه متتابعة ، وأحس في نفسه بذلك السكون العميق الذي يشعر به الهائج المصروع بعد استفاقته من صرعته . 

وقد خيل إليه أن الخزانة التي أمامه تهتز وتضطرب ويموج بعضها في بعض ، 

ثم ما لبثت أن استحالت إلى مرآة صقيلة لامعة ، فوقع نظره على صورته فيها ، فامتلأ قلبه خوفا وذعْراً ، وأنكرت نفسه نفسه ، فقد رأى في أسارير وجهه تلك السحنة المنكرة التي يعرفها في وجوه المجرمين ، ورأى في عينيه تلك النظرات الطائرة الشاردة التي ينظر بها المحكوم عليه بالموت إلى سيف الجلاد حين يلمع فوق رأسه ، 

فظل يرتعد ويضطرب ، وظلت الأوراق تتساقط من يده واحدة بعد أخرى ، وإنه لكذلك إذ أحس بيد ثقيلة قد وضعت على كتفه ، فلم يَأْبَهْ لها في أول الأمر ، وظنها بعض الخيالات التي لا تزال تعاوده منذ الليلة ، إلا أنه لم يلبث أن أحس ببرودتها فوق كاهله ، فتهالك في نفسه وتجمع تجمع المتوقع ضربة هائلة تسقط على أم رأسه ، 

ثم التفت قليلا قليلا ليرى ما دهاه ، فإذا الميت واقف خلفه عاري الجسم ينظر إليه بعينين جامدتين ، فصرخ صرخة عظيمة ودفعه بيده دفعة شديدة فسقط على الأرض بعيدا عن مضجعه الأول ، فرنت عظام رأسه على أرض الغرفة رنينا شديدا ، فاختبل وأصابه مثل الجنون ، وألقى المصباح من يده فانطفأ فازداد رعبه وفزعه ، وهرع يطلب الباب للفرار منه فلم يهتد إليه ، 

فظل يعدو في أنحاء الغرفة ويتلمس جدرانها مقبلا مدبرا ، 

لا يعثر حتى يقوم ، ولا يقوم حتى يعثر ، وقد خُيل إليه أن الجثة تعدو وراءه وتتعقبه حيثما ذهب ، حتى أعياه الجهد ، وعجز عن الحركة ، فسقط مغشيا عليه . 

ولم يكن ما رآه في هذه المرة خيالا بل حقيقة لا ريب فيها ، فقد عاودت الميت الحياة لحظة ففتح عينيه للمرة الأخيرة فرأى باب خزانته مفتوحا ، ورأى إنسانا لا يعرف من هو يقلب أوراقه ، فدفعه الحرصالغريزي الذي لا يفارق الإنسان مبدأ ساعات حياته إلى نهايتها إلى الوثوب على قدميه والإهواء بيده على كتف السارق ، 

ثم كان ما كان من سقوطه على أرض الغرفة ، فكان في سقطته القضاء عليه . 

لم يستفق استيفن من غشيته حتى طلع الفجر وأرسل بعض أشعته من نافذة الغرفة ، ففتح عينيه وظل ينظر حوله يمنة ويسرة ، فرأى المصباح الساقط والخزانة المفتوحة ، والأوراق المبعثرة ، والجثة الملقاة ، فذكر كل شيء ، وقام يتحامل على نفسه ، فأعاد كل شيء إلى مكانه ، ونقل الجثة إلى مضجعها ، وأسبل عليها غطاءها ، ولم يلبث أن جاء الطبيب ، فلما رأى الصدع الذي في رأس الميت قال لاستيفن : أحسب أن المريض قد ثار من فراشه في ساعته الأخيرة ولم يكن معه من يتولى شأنه فسقط بعيدا عن مضجعه فأصابهما أصابه .

فارتعد استيفن وقال : نعم يا سيدي ، ولقد كنت نائما في تلك الساعة فلم أستطع مساعدته ولم أستيقظ إلا على صوت سقطته ، فاحتملته إلى مكانه ، وكان أسفي لذلك عظيما .

فلم ير الطبيب بأْسا فيما قال ، وانصرف لشأنه . 

وما انقضى النهار حتى دُفِنَ الميت وحضر دفنه وارثه ، وسافر استيفن إلى جوتنج 

فما وصلها حتى كان قد بلغ آخر درجات الاحتمال وهو يردد : : ويل لي من مجرم أثيم .

فسقط في فراشه مريضا مدنقا ، لا يُفارقه خيال تلك الليلة الهائلة التي كابدها لحظة واحدة . 





(58)

) إدوار )



عَلِقَ ادوار بماجْدولين منذ الليلة التي رآهما فيها استيفن من وراء ألواح الزجاج يرقصان معا ، 

وكان ادوار يمت لسوزان بحبل قرابة فأنشأ يختلف إلى منزل حبيبته ويستدني قلبها ، 

وكان من أقدر الناس على مثل ذلك ؛ لعذوبة يعرفها له النساء في أخلاقه ، وحلاوة تجتذب قلوبهن في أحاديثه ، 

فأنست ماجْدولين به وبمحضره ، وأعجبها منه أنه كان يسرد عليها كلما جلس إليها أحاديث المحافل والأندية ، ويطرفها بغرائبها ونوادرها ، 

ويذكر لها أسماء الراقصين والراقصات وفضل ما بينهم في البراعة والافتتان ، ويشرح لها أنواع الرقص غربَّيه وشرقيَّه ، قديمه وحديثه ، وتاريخ كل نوع منه ومنشأه ومصيره ، 

ويقص عليها قصص الغرام التي تنشأ كل يوم في قاعات الرقص بين النساء والرجال ،وكانت حديثة عهد بذلك كله ، 

فلم يكن شيء من الأشياء أعجب إليها من ذكره وترديده ، 

وقص عليها طرفا من نوادر استيفن وكان إذا جرى ذكر طفولتهما وصباهما ، وما مر لهما في حياتهما الأولى من بؤس ورغد ، وشدة ورخاء ، أثنى على صديقه ، 

ثم يصف لها بلهجة الحزين المتفجع حياة البؤس والشقاء التي يحياها استيفن اليوم في جوتنج وغرفته التي يسكنها ، وأثاثها الذي تشتمل عليه ، وثيابه التي يملكها ، 

ثم يتبع ذلك بالتوجع له ، والتألم لبؤسه وشقائه ، ومحاربة الدهر إياه في مساعيه وأغراضه ، 

فتُصغي إلى حديثه وتُقْبِل عليه إقبالا عظيما . ولم يزل بها حتى خلَبَها ووقع من نفسها ، وأصبحت لا تكاد تصبر عن مجلسه ساعة ، 

ولا تزال تفتقده وتسائل نفسها عنه كلما غاب عنها ، وهي تظن أنها إنما تحبه من أجل استيفن ولو كشف لها عن دخيلة نفسها لعلمت أنها قد بدأت تَنسى ، استيفن من أجله . 

ولقد أعجبت سوزان بتلك الصلة التي نشأت بين صديقتها وقريبها ، ورضيت عنها الرضا كله ، 

ورأت أن الله قد أراد به وبها خيرا ، فرزقه أفضل الفتيات جمالا وأدبا ، ورزقهاخير الفتيان ثروة وجاها ، وكانت تعرف شيئا عن عيوب ادوار ، 

ولكنها كانت ترى أنها عيوب خاصة به لا تتعداه إلى غيره ، وكانت تعتقد أن المرأة لا ترى في زوجها الغني الذي يملأ فضاء بيتها نعمة ورغدا عيبا واحدا مهما كثرت عيوبه ، 

فأنشأت تسعى سعيها للبلوغ بهما إلى الغاية التي تريدها لهما ، فأشارت على ادوار أن يتودد إلى الشيخ مولر ، ويداخله مداخلة الصديق صديقه ، 

وقالت له : إنه رجل مفتون بحب النبات والزهر ، فلا يعجبه إلا الحديث عنهما ، ولا ينزل من نفسه المنزلة العليا إلا من يعلم أنه يشاركه في العلم بهما ، والاهتمام بأمرهما ، 

وكان ادوار قد درس شيئا من علم النبات في مدرسته ، فاستعان ببستاني حديقته على معرفة ما كان يجهله منه ، وغرس في حديقة بيته بعض أنواع الزهر الغريبة ، وعرف خصائصها وصفاتها ، 

ثم خالط الرجل وداخله ، ودعاه إلى بيته وأراه حديقته ، ومشى معه في كل مكان ، وجاراه في كل حديث ، فلم يلبث أن أعجبه ووقع من نفسه ، 

وهكذا أصبح أثيرا عند الأب وابنته . 





(59)

)سَريرةُ المرأة )



ما أبغضت ماجْدولين استيفن ولا أحبت ادوار ولكنها لبست حالا جديدة لم تكن ، تلبسها من قبل ، فكان لا بد لها من أن تلبس معها جميع آثارها ومتعلقاتها ، 

فقد ألِفَتالمجامع والمحافل ، وأنست بالمراقص والملاعب ، وصادقت النساء المتحضرات المتأنقات ، وغنت كما يغنين ، ورقصت كما يرقصن ، ومشت في مثل أزيائهن ، وتحدثت بمثل أحاديثهن ، 

وفهمت من سعادة الحياة وهنائها المعنى الذي يفهمن ، ورأت في الرجال والنساء الرأي الذي يرين ، 

فتناست استيفن والصلة التي بينهما ، لأنه صورة من صور الحياة الماضية التي عفتها واجتوتها ، 

وأحبت ادوار لأنه مظهر من مظاهر الحياة الجديدة التي أحبتها وافتتنت بها . 

على أنها كانت إذا خلت إلى نفسها ، وهدأت عنها ضوضاء الحياة وضجيجها ، واستطاعت أن تمد نظرها إلى أعماق سريرتها حتى ترى ما في قرارتها ؛ تَراءَى لها شبح استيفن في نحوله واصفراره ، وحزنه واكتئابه ، وبؤسه وشقائه ، ومنظر عينيه الممتلئتين حزنا ودموعا ، 

وقلبه المتقد حبا وغراما ، ونفسه الشعرية الهائمة في أودية الهموم والأحزان ، فتحن إليه حنين الغريب إلى داره ، والشيخ إلى عهود صباه ، وتذكر أيامه الماضية التي قضاها معها فتبكي حسرة عليه وإشفاقا ، بل وَجْداً به وغراما ، 

ثم لا تلبث أن ترى سحابة بيضاء من النور ماثلة أمام عينيها ، فلا تزال تنبسط وتستفيض حتى تشف عن قاعة الرقص التي شهدتها ليلة عرس سوزان ، فترى الوجوه المشرقة ، والثغور ، الباسمة والذهب اللامع ، والجوهر الساطع ، والغلائل المطرزة ، والحلل المدبجة ، والصدور اللاصقة بالصدور ، والأذرع المحيطة بالخصور ، والجو المائج بالأنوار ، والروض الحافل بالأزهار ، وترى العروسين كالفرقدين ، يبسمان للسعادة المقبلة عليهما ، ويتدفق تيار الحب والصبابة بين قلبيهما ، فيتضاءل أمام عينيها ذلك الشبح الأول ، 

ثم لا يلبث ان يتغلغل في ظلمات الوجود الحالكة حتى يغيب عن نظرها ، فلا يبقى له عين ولا أثر . 

ولقد دخلت عليها سوزان صبيحة يوم في غرفتها — وكان قد مضى على زفافها شهران — فقالت لها : أتدرين ما اتفقنا عليه أنا وأبوك ليلة أمس يا ماجْدولين ؟ 

قالت : لا .

قالت : أن نسافر جميعا إلى ضياع زوجي في سان مارك لنقضي فيها أسبوعين أو ثلاثة ، فنستضيفكم فيها 

ثم ننتقل إلى ولفاخ وهي على بضعة أميال منها ونقضي هناك اسبوعا واحدا للتنزه بين مزارع القرى ودساكرها ثم نفترق بعد ذلك . 

فتهلل وجه ماجْدولين فرحا بتلك السياحة الجميلة التي ستقضيها مع أصدقائها في أجمل البقاع وأبهجها ، ثم ما لبثت أن اكتأبت وتَغَضَّنَ جبينها ؛ لأنها ذكرت ساعة الفراق القريبة ، وأنها ستعود بعد أيام قلائل إلى عزلتها في قريتها ، وتعيش فيها عيش الوحشة والوحدة بعيدة عن كوبلانس ومجامعها ، ومزدحم الحياة فيها ، فاشتد ذلك عليها كثيرا ، 

وألمت سوزان بما دار في نفسها وعرفت مأتاه ، إلا أنها تَبَالَهَتْ واستمرت في حديثها تقول : وسيصحبنا في سياحتنا هذه ادوار وسيكون أنسنا به وبعشرته عظيما ، ألا ترين رأيي في ذلك يا ماجْدولين ؟ 

ففهمت ماجْدولين مقصدها وأين تريد أن تذهب في حديثها ، 

فقالت : ليذهب معكم من يشاء من أصدقائكم وخلطائكم ، فلا شأن لي في ذهاب من يذهب . أو بقاء من يبقى .

فابتسمت سوزان واستطردت في حديثها تقول : ولقد اتفقنا كذلك على ألا يذهب معنا ادوار إلا باسم خطيبك ، وقد قطعنا هذا الأمر من دونك ؛ لأنا نعلم أنك لا ترين لنفسك إلا الرأي الذي نراه لك 

فاضطربت ماجْدولين وقالت : لقد قلت لك يا : ، سوزان قبل اليوم إنني لا أستطيع أن أتزوجه .

قالت سوزان : لماذا ؟ وهل تطمع الفتاة في زوج أفضل منه عقلا وأدبا ، وشرفا وجاها ؟ وهو فوق ذلك يحبك ويستهيم بك ، ولا يُُؤْثر على سعادتك وهَنائك غرضا من أغراض الحياة ، ولا مأربا من مآربها .

قالت : ولكنه لا يستطيعأن يحبني محبة استيفن إيايَ .

قالت : أما هذه فنعم ؛ لأنه يحبك حب العقلاء والأكياس ، لا حب النوْكَىَ (الحمقَى) والمأفونين . إن هذا الذي تزعمين أنه يحبك ويستهيم بك ، لا يحبك ، بل يحب فيك المرأة الخيالية التي يتخيلها في ذهنه ، والتي لم يخلق الله لها مثالا في هذا العالم ، 

ولا يعبدك ، بل يعبد إلهه الموهوم الذي يظن أنه حالّفي جثمانك ، كما كان يعبد آباؤنا الأولون آلهتهم الماثلة في جذوع الأشجار وقطع الأحجار . 

إنه يتخيلك ملكا من ملائكة السماء تحيط بوجهه هالة من النور ، ويرفرف في جنبيه جناحان أبيضان متلألئان تلألؤ الأشعة ، ويحمل بين أضلاعه نفسا غريبة عن النفوس في جوهرها ومعدنها ، 

قد جملها الله بجميع صنوف الكمال ، وطهرها من أدناس الحياة وأرجاسها ، فلا تفهم شهوة من الشهوات ، ولا تشعر بلذة من اللذائذ ، ولا تعرف فرق ما بين السعادة والشقاء ، والغنى والفقر ، والراحة والتعب ، والسرور والحزن ، 

فويل لك منه يوم تنحسر عنه عينيه — بعد ساعة واحدة من بنائه بك ، غشاوة الحب الأول ، فيراك كما أنت ، ويرى فرق ما بينك وبين تلك الصورة الخيالية الهائمة في رأسه ، 

إنه عندئذ لا بد أن يبغضك ويحتقرك ، ويهوي بك إلى أدنى دركات الذل والشقاء ، ولا نهاية للإغراق في الحب غير الإغراق في البغض ، 

فإن كان لا بد لك من أن تحتفظي بمكانتك في قلبه فلا تتزوجيه ودعيه ينظر إليك دائما بهذه العين التي ينظر بها إليك اليوم ، 

ولا تخشي عليه أن يشْقَى بفراقك ، فليست فجيعته فيك يوم يفقدك بأعظم من فجيعته في آماله وأحلامه يوم يراك ، ويرى في ثوبك امرأة غير المرأة التي كان ينتظرها ويطير شوقا إليها . 

أنت لا تعلمين من شئون الحياة ودخائلها مثلما أعلم يا ماجْدولين ، ولقد خَبَرْتُ فيما خبرت من صروفها وتجاريبها أن الغرام أضعف العلائق بين الزوجين ، والمصلحة أقواها وأوثقها ، وأن الحب كالزهرة ، والمال كالطل الساقط عليها ، 

فإذا انقطع الطل عنالزهرة بضعة أيام ذوت أوراقها وتساقطت ، ثم تطايرت في مهاب الرياح الأربع ، 

وأن هذه الثورة النفسية التي يسمونها الصبابة أو الوجد أو الوله أو الهُيام ، والتي لا يزال يهتف بذكرها الشعراء ، وتطير في سماء خيالها ألباب الرجال والنساء ، إنما هي عرض من أعراض الأعصاب المريضة يهيجه البعد ، ويطفئه القرب ، ثم تبقى بعد ذلك الحاجة إلى العيش ومرافقه ، والسعادة وأسبابها ، فإن أعُْوِزَ ذلك فقد مات الحب في القلب ، ودفنتجثته في ضريح الفقر ، والفقر يطوي في أحشائه جميع عواطف القلوب وخوالجها ، بلربما دارت الوساوس والأوهام في رأس ذينك الزوجين اللذين كانا متحابين بالأمس ، فرأى كل منهما في وجه صاحبه صورة الشؤم له ، وألقى عليه تبعة بؤسه وشقائه ، فاستحال حبهما إلى بغض متغلغل في سويداء القلب لا ينتزعه إلا الموت . أفقر منك ، فلا تضمي فقره إلى فقرك ، وليختر استيفن أنت فقيرة يا ماجْدولين ، وكل منكما لنفسه العشير الذي يعلم أنه يسعده ويملأ فضاء حياته غبطة وهناء ، فإن كانلا بد لك من الوفاء له فإن أوفى ما يكون المرء لصاحبه حين يؤثر مصلحته على مصلحة نفسه ، ويُكفكف من نزعات قلبه وأهوائه في سبيل سعادته وهنائه ، فليكن ذلك شأْنك معه ، واحتملي كرارة فراقه وألم الحرمان منه رحمة به وإبقاء على حياته التي توشك أن تعبث بها نكبات الدهر وأرزاؤه ، فقد أصبحت أخشى عليه — وفي رأسه مثل هذا العقل المختبل الصغير ، وبين جنبيه مثل هذا القلب الضعيف المستطار — أن يعثر به جده فيما يُحاوله من الأمل الذي يسعى إليه من أجلك ، 

فيدفعه جنون الطمع إلى سلوك طريق غير طريق الشرف ، فيقترف جريمة ، أو ينتهك حرمة ، أو تثور برأسه ثائرة اليأس فيقتل نفسه طلبا للراحة من عناء الحياة وشقائها ، فإن فعل فأنت الجانية عليه ، والموردة إياه هذا المورد من التلف ، فانظري كيف يكون موقفك بين يدي ربك وضميرك غدا إن تم ذلك على يدك ؟ 

فاستعبرت ماجْدولين باكية ، وما بكت إلا رحمة بذلك البائس المسكين وإشفاقا عليه أن يناله بسببها هذا الشقاء العظيم ، 



وأطرقت مليا ثم رفعت رأسها وقالت : دعيني الساعة يا سوزان ،وحدي فإنني في حاجة إلى الخلوة بنفسي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق