ماجْدولين
الفونسو كار
تعريب مصطفى لطفي المنفلوطي
(1)
( من ماجْدولين إلى سوزان )
سواء لَدي أَقَرَأْتِ كتابي هذا أم مزقته ، خِلْو من كل شيء يهمك العلم به أو النظر إليه . كل ما يمكنني أن أطُرفك به من الأخبار أن أقول لك: إن أشجار الربيع قد بدأت تبتسم عن أزهارها ، وإن النسيم العليل يجمع إليَّ في غرفتي في هذه الساعة التي أكتب إليك فيها شذى أول زهرة من زهرات البنفسج وأول عود من أعواد الزنبق .
ويمكنني أن أخبرك أيضا — وإن كنت لا أعرف لمثل هذه الأخبار معنى — أن الغرفة التي كانت خالية في الدور الأعلى من منزلنا قد سكنها اليوم فتى اسمه استيفن غريب الأطوار في وحشته ونفوره وانقباضه عن الناس ، حتى يكاد يظن الناظر إليه أنه بائس أو منكوب ، فهو ينزل في صبيحة كل يوم إلى الحديقة وبيده كتاب واحد لا يغيره ،
فإذا جلس للقراءة فيه علق نظره بأول سطر يمر به ثم لا ينتقل عنه بعد ذلك ، فهو في الحقيقة مطرق إلى الأرض من حيث يظن الرائي أنه يقرأ في كتاب ،
فإذا رآني مارة أمامه رفع رأسه إليَّ وحياني تحية وجيزة ، ثم انتقل من مكانه وانساب بين الأشجار ، أو صعد إلى غرفته ؛
لذلك لم تصل بيني وبينه معرفة حتى اليوم ، وربما لا يقع شيء من ذلك فيما بعد ؛
لأني لا ألتمس السبيل إلى التعرف به ولا أحُب أنه يلتمسه ، فإن كنت لا بد سائلة عما يتساءل عنه النساء في مثل هذا الموقف فأقول لك: إن الفتى ليس بجميل ولا جذاب ،
بل إن في منظره من الخشونة والجمود ما ينفر نظر الناظر إليه ، وأحسن ما فيه أني سمعته ليلة — وكانت نافذة غرفتي مفتوحة — يغني غناء شجيا مؤثرا ،
وإن كان لا يجري فيه على قاعدة من قواعد النغم ، فهو يطرب البؤساء والمحزونين ، ولا يعجب الموسيقيين المتفننين ، ولقد تمكن أبي من مجالسته هنيهة فحدثني عنه أنه من المتعلمين الأذكياء ، وبعد: فأحسب أني أمللتك
يا سوزان بحديث يتعلق أكثره بإنسان لا شأن لي ولا لك معه ، فلا تعتبي عليَّ ، فهذا كل ما تستطيع أن تملأ به صفحات كتابها فتاة تعيش في قريتها الصغيرة عيشاً متشابه الصور والألوان ، لا فرق بين ليله ونهاره ، وصبحه ومسائه ، لا تطلع الشمس فيه على مرأ جديد ، ولا تغرب عن منظر غريب .
(2)
) من ماجْدولين إلى سوزان )
الجو رائق ، والسماء مصحية ، وقرص الشمس يلتهب التهابا ، والأرض تهتز فتنبت نباتا حسنا ، والأشجار تنتفض عن أوراقها اللامعة الخضراء ،
والهواء الفاتر يترقرق فينبعث إلى الأجسام فيترك فيها أثرا هادئا لذيذا ،
وكل ذلك لا قيمة له عندي ، ولا أثر له في نفسي ، فإني أشعر أن الحياة مظلمة قاتمة ، وأن هذا الفضاء على سعته وانفراج ما بين أطرافه أضيق في عيني من كفة الحابل ، وأن منظر العالم قد استحال إلى شيء غريب لا أعرفه ولا عهد لي بمثله ،
فأظل أنتقل من مكان إلى مكان ، وأفر من الحديقة إلى المنزل ومن المنزل إلى الحديقة ، كأنني أفتش عن شيء ، وما أفتش إلا عن نفسي التي فقدتها ولا أزال أنشدها ، فإذا نال مني التعب أَويت إلى أشجار الزيزفون في الحديقة لأَستريح في ظلالها قليلا ،
فلا يكاد يعلق نظري بأول زهرة يروقني منظرها من بين أزهارها حتى أشعر كأني أنتقل من هذا العالم شيئا فشيئا إلى عالم جميل من عوالم الخيال ، فأتغلغل فيه كما يتغلغل الطائر المحلق في غمار السحب وتمر بي على ذلك ساعات طوال لا أعود من بعدها إلى نفسي إلا إذا شعرت بسقوط الكتاب من يدي ،
فإذا استفقت وجدتني لا أزال في مكاني ، ولا يزال نظري عالقا بتلك الزهرة الجميلة التي وقفت عليها .
يقولون إن فصل الربيع فصل الحب ، وإن العواطف تضطرم فيه اضطراما فتأنس النفوس بالنفوس ، وتقترب القلوب من القلوب ، وتمتلئ الحدائق والبساتين بجماعات الطير صادحة فوق زواهر الأغصان وجماعات الناس ، سانحة بين صفوف الأشجار ، أما أنا فلا أصدق من كل هذا شيئا ، فإن أجمل الساعات عندي تلك الساعة التي أخلو فيها بنفسي فأناجيها بهمومي وأحزاني ، وأذرف من العبرات ما أبرد به تلك الغلة التي تعتلج في صدري .
وأعجب ما أعجب له من أمر نفسي أنني أبكي على غير شيء ، وأحزن لغير سبب ، وأجد بين جنبي من الهموم والأشجان ما لا أعرف سبيله ولا مأتاه ، حتى يُخيل إليَّ أن عارضا من عوارض الجنون قد خالط عقلي ، فيشتد خوفي واضطرابي .
إن الذين يعرفون أسباب آلامهم وأحزانهم غير أشقياء ؛ لأنهم يعيشون بالأمل ويحيون بالرجاء ، أما أنا فشقية ؛ لأني لا أعرف لي دواء فأعالجه ، ولا يوم شفاء فأرجوه . كل أسباب العيش حاضرة لدي ، وأبي لا يعرف له سعادة في الحياة غير سعادتي ، ولا هناء غير هنائي ،
ولا يعجبه منظر من مناظر الجمال في العالم سوى أن يراني باسمة ، ويرى أزهار حديقته ضاحكة ، بل ربما أغفل أمر حديقته أحيانا حتى تذبل أوراقها وتموت زهراتها في سبيل قضاء مرافقي وحاجاتي ، فأنا إن شكوت فإنما أشكو بطرا وأشرا وكفرانا بأنعم الله التي يسبغها عليَّ ويسديها إليَّ ، فغفرانك اللهم ورحمتك ، فإني ما اعترفت بجميلك ، ولا أحسنت القيام بشكر أياديك .
إني لأذكُر يا سوزان تلك الأيام التي قضيناها معا ، وتلك السعادة التي كنا نهصر أغصانها ، ونجني ثمارها ، ونطير في سمائها بأجنحة من الآمال والأحلام ؛ فأنْدبها وأبكي عليها ، وأحن إليها حنين الليل إلى مطلع الفجر ، والجدب إلى ديمة القطر .
(3)
) من إدوار إلى استيفن )
الآن عرفت أنك لا تثق بي ولا تعتمد عليَّ ، وأنك لا تزال تنظر إليَّ بالعين التي تنظر بها إلى أولئك الذين أثرت مغاضبتهم والتبرم بهم من أفراد أسرتك ، فقد كتمت عني ما كنت أرجو أن تقضي به إليَّ من ذات نفسك فيما اعتزمت عليه من رحلتك لأعرف ماذا تريد وأين تريد ،
ولكني لم أوثر أن أنزل بك في الود إلى المنزلة التي نزلت بي إليها ، فلم أر بدا من أن أكتب إليك .
إنا نبتنا معا يا استيفن في تربة واحدة ، تحت سماء واحدة ، يغدونا ماء واحد وجو واحد ، وما زلنا كذلك حتى شببنا فاختلفنا كما تختلف الشجرتان المتجاورتان في منبتهما ثمرة وشكلا ؛
لذلك أنت تفر مني الفرار كله وتنقبض عني ، ولا تراني أسألك فجًا من فجاج الأرض إلا سلكت فجا غيره ؛ لأنك أصبحت تسعد بحياة غير التي أسعد بها ، وتهنأ بعيش غير الذي أهنأ به ،
وتطرب لنغمة غير التي تسمعها مني ، ولا تستطيع أن ترى في وجهي تلك المرآة التي تحب أن ترى فيها صورتك واضحة جليلة لا غموض فيها ولا إبهام .
إنك لا تبغضني يا استيفن ، ولكنك لا تحب أن تراني ؛ لأنك تعلم أن لي في الحياة رأيا غير رأيك ، وطريقا غير طريقك ، فأنت تخاف أن تسمع مني ما يفجعك في تصوراتك وأحلامك ، ويكدر عليك لذائذك التي تجدها في العيش في ذلك العالم الخيالي المظلم ، وتقنع بها فيه قناعة الشعراء المحزونين بالعيش بين أشباح خيالاتهم السوداء .
كن كما تشاء ، وعش كما تريد ، فستنقضي أيام شبابك وستنقضي بانقضائها أمانيك وأحلامك ، وهنالك تنزل من سمائك التي تطير فيها إلى أرضي التي أسكنها ،
فنتعارف بعد التناكر ، ونتواصل بعد التقاطع ، ونلتقي كما كنا . لا بد أن نفترق اليوم لأننا غير متفقين ، ولا بد أن نجتمع بعد اليوم لأننا سنتفق ، فلا بأس أن تكتب إليَّ وأكتب إليك ،
وأن نتواصل على البعد إبقاءً على تلك الصلة التي بيننا ، واحتفاظا بها ، ورعاية لها ، حتى يأتي ذلك اليوم الذي تجلو فيه عن نفسها ، وتبرز من مكمنها .
إن أهلك يعجبون لأمرك كثيرا ، ويرون أنك قد مكرت بهم ، وأضللتهم عن مقاصدك وأغراضك ، فسافرت خفية من حيث لا يعلمون بأمرك ولا بِنِيَّتك التي انتويتها ، ويقولون:إنك ما سافرت على هذه الصورة إلا لأنك عدلت عن رأيك في الزواج من تلك الفتاة التي أعدوها لك ،
وعندي أنهم أصابوا فيما يقولون ، وأنك مخطئ فيما فعلت ؛ لأنك تعلم أن والدك فقير لا يملك من المال أكثر مما يتسع لأيام حياته ؛ ولقد كان لك في هذا الزواج من تلك الفتاة التي اختارها لك حظك من سعادة العيش وهنائه لولا أنك شاعر ،
والشعراء يفهمون من معنى السعادة غير ما يفهمه الناس جميعا .
أخوك يحبك كثيرا ، ولا يزال يحدثني عنك كما أحدثه ،
فاذكرنا كما نذكرك ، واكتب إلينا بكل شيء .
(4)
) خواطر استيفن )
مضى الليل إلا أقله ، ولم يبقَ إلا أن تنفرج لمة الظلام عن جبين الفجر
، ولا أزال ساهرا قلق المضجع ، أطلب الراحة فلا أجدها ، وأهتف بالغمض فلا أعرف السبيل إليه .
إن إدوار يسخر مني في كتابه ويهزأ بي ، وينذرني بيوم أرى فيه أوهاما كاذبة وأحلاما باطلة ما كنت أحسبه أماني وأمالا ،
ويرى أن جميع ما أقدره لنفسي من سعادة في الحياة وهناء أشبه شيء بالخيالات الشعرية التي يسعد الشعراء بتصورها ، ولا يسعدون بوجودها ؛
فلئن كان حقا ما يقول فما أمرّ طعم العيش ، وما أظلم وجه الحياة . لا لا ، إن الذي غرس في قلبي هذه الآمال الحسان لا يعجز عن أن يتعهدها بلطفه وعنايته حتى تخرج ثمارها ، وتتلألأ أزهارها ،
وإن الذي أنبت في جناحي هذه القوادم والخوافي لا يرضى أن يهيضني ويتركني في مكاني كسيرا لا أنهض ولا أطير ، وإن الذي سلبني كل ما يأمل الآملون في هذه الحياة من سرور وغبطة ، ولم يبقَ لي منها إلا حلاوة
الأمل ولذته لأجل من أن يقسو عليَّ القسوة كلها فيسلبني تلك الثمالة الباقية التي هي ملاك عيشي ،
وقوام حياتي . على أنني ما ذهبت بعيدا ، ولا طلبت مستحيلا ، فكل ما أطمع فيه من جمال هذا العالم وزخرفه رفيق آنس بقربه وجواره ، وأجد لذة العيش في الكون معه ، والسكون إليه ،
وما الرجال كما يقولون إلا أنصاف ماثلة تطلب أنصافها الأخرى بين مخادع النساء ، فلا يزال الرجل يشعر في نفسه بذلك النقص الذي كان يشعر به آدم قبل أن تتغير صورة ضلعه الأيسر حتى يعثر بالمرأة التي خُلقت له فيقر قراره ،
ويلقي عصاه . وبعد ؛ فأي مقدور من المقدورات تضيق به قوة الله وحكمته ؟
وأي عقل من العقول الإنسانية يستطيع أن يبدع في تصوراته وتخيلاته الذهنية فوق ما تبدع يد القدرة في مصنوعاتها وآثارها ؟
وهل الصور والخيالات التي تمتلئ بها أذهاننا وتموج بها عقولنا إلا رسوم ضئيلة لحقائق هذا الكون وبدائعه ،
ولو أن سامعا سمع وصف منظر الشمس عند طلوعها ، أو مهبط الليل عند نزوله ، أو جمال غابة من الغابات ، أو شموخ جبل من الأجبال ، ثم رأى بعد ذلك عيانا ما كان يراه تصورا وخيالا ، لعلم أن جمال الكائنات فوق جمال التصورات ، وحقائق الموجودات فوق هواتف الخيالات ؛
لذلك أعتقد أني ما تخيلت هذه السعادة التي أقدرها لنفسي إلا لأنها كائن من الكائنات الموجودة ، وأنها آتية لا ريب فيها .
إن اليوم الذي أشعر فيه بخيبة آمالي ، وانقطاع حبل رجائي ، يجب أن يكون آخر يوم من أيام حياتي ، فلا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب ، ولا خير في قلب يخفق بغير حب .
(5)
) الحب )
نزل استيفن صبيحة يوم من الأيام إلى حديقة المنزل فرأى مولر والد ماجْدولين على رأس بعض الجداول متكئا على فأسه ، فلم ير بدا من أن يحييه ، فحياه بتحية حُيِّيَ بأحسن منها ، ثم أراد أن يستمر أدراجه فرآه ينظر إليه نظرة المستوقف ، ورأى كأن كلاما يتحير في شدقيه فاستحى أن يمضي لسبيله ،
فوقف على كلمة يصل بها الحديث بينه وبينه ، فلم ير شيئا أقرب إلى ذهنه من أن يسأله على ابنته ، ثم بدا له أنه إن فعل أرابه وألقى في نفسه أمرا غير الذي يريد ،
وهي المرة الأولى التي خطر له فيها أن في سؤاله عن ابنته شيئا غريبا .أو أمرا مريبا ،
ثم استمر مولر يقول : إن منظر الطبيعة في هذه الساعة جميل جدا لا يكدره عليَّ إلا تلك الرعدة التي أشعر أنها تتمشى في أعضائي ، فما أمر مذاق الشيخوخة وما أثقل مئونتها ،
وسلام على الشباب وعهوده الزاهرة ، أيام كنت لا أحفل بنكباء ولا رمضاء ، ولا أبالي أن أبكر في صبيحة كل يوم تبكير الغراب إلى قمم الجبال وشواطئ الأنهار عاري الرأسحافي القدم ، أمرح وألعب ، وأتأثر طرائد الصيد في مسارحها وملاعبها ،
فأصبحت ولم يبقَ لي من تلك الذكريات إلا وقوفي في هذه الضاحية تحت هذه الشمس المشرقة أنسج من خيوطها البيضاء كساء أتقي به هذه الرعدة ، وأمتع نظري برؤية الفتيات الصغيرات صواحب ماجْدولين وهن يلعبن معها فوق تلك الهضبة الثلجية .
وهنا وجد استيفن مكان ذو سعة فقال: إن ماجْدولين لم تنزل اليوم كعادتها فلعلها بخير ،
قال: نعم ، هي بخير ولكن ضيفا من أقربائنا نزل بنا أمس فلم أر بدا من أن أَكِلَ إليها أمره والعناية به ،
فتركتهما وذهبت لشأني ، وإن كنت أعلم أن ماجْدولين ليس في استطاعتها الصبر على النزول إلى الحديقة ، ولا يقنعها من الشمس تلك الخيوط البيضاء التي تنحدر إليها من نافذة غرفتها ، .
ثم ذهبا في الحديث بعد ذلك مذاهب مختلفة ، وإنهما لكذلك إذ فتح باب المنزل ، وإذا ماجْدولين وأرشميد مقبلان ، يحدثها فتهلل ، وتحدثه فيبتسم ، وكأن منظرهما منظر عاشقين يتغازلان ، لا قريبين يتسامران ، فخيل لاستيفن أن هذا المشهد الذي يشهده غير مستحسن ولا مستعذب ،
ثم اقتربا منه ، فصدف عنهما يتلهى بالنظر إلى بعض الزهرات ، وود لو وجد السبيل إلى الهرب منهما لولا أنهما اعترضا طريقه ، فسلما عليه ،
فرد ردا فاترا ، ثم تركهما مكانهما وانحدر إلى خميلة من الخمائل ، فما خطا فيها بعض خطوات حتى سمع الفتى يُغرب في الضحك ، فما شك أنهما في شأنه ، وأنه قد أصبح موضع هزئهما وسخريتهما ، وأنهما ما ضحكا إلا للعبث به والزراية عليه ،
فأحس في قلبه بدبيب البغض لذلك الفتى ، وود بجدع الأنف لو وجد السبيل إلى منازلته في ميدان خصام يضربه فيه ضربة تهشم أنفه وتخضب الذي فيه عيناه ليقنعه أنه ليس سخرية الساخر ،
ولا أضحوكة الضاحك . ثم عاد إلى نفسه يسائلها عن السبب في انقباضه ووحشته ، وعن تلك الحال الغريبة التي ألمت بفؤاده منذ الساعة ويقول: ما لي ولهذا الفتى ؟ وبأي حق أحمل له بين جنبي ما أحمل من الضغنة والموجدة ؟
فما أنا بعاشق للفتاة فأغار منه عليها ، ولا هو بمزاحم لي على هوى فأبغضه فيه !\
ولم يزل يسائل نفسه أمثال هذه الأسئلة فلا تجيبه ، ويراجع عقله فلا يهديه ، حتى عرف أنه لا يسمع خارج الخميلة صوتا ، فبرز من مكمنه فلم ير أمامه أحدا ،
فخرج من
الحديقة هائما على وجهه بين الغابات والأحراش حتى أدبر النهار ، فعاد إلى المنزل وصعد إلى غرفته ، وإنه ليمر أمام باب غرفة ماجْدولين ؛ إذ سمع صوت حديث ، فذكر ما كان قد نسيه ، وعلم أنها تسمر مع قريبها أرشميد ، وأنه لا بد أن يكون سعيدا بهذا الحديث وهذه الخلوة ،
فَنَفَسَ عليه ذلك ، ولا ينفس الإنسان على صاحبه شيئا يكون في نظره حقيرا ، فتريث في مشيته قليلا حتى علم أنه إن دنا من باب الغرفة لا يشعران بموقفه ،
فدنا منها وأنشأ يتسمع حديثهما ، فلم يفهم كلمة مما يقولان ، ثم انقطعا عن الحديث .
وأنشأت ماجْدولين تغني غناء شجيا قد كان يكون عذبا لذيذا في نفس استيفن لولا أن أذنا أخرى غير أذنه تزاحمه على سماعه ، ثم انقطع الغناء أيضا فسمع خفق نعال تتقدم نحو الباب ، فابتعد عن مكانه حتى خرج الفتى وخرجت ماجْدولين وراءه تشيعه في غلالة رقيقة بيضاء لا تلبسها الفتاة إلا بين يدي عشيقها أو من لا تحتشمه من ذوي قرباها ، فرأى في وجهها صورة جديدة غير التي كان يراها من قبل ،
وأحس في نفسه بشيء غير الذي كان يحس به عند رؤيتها ، ثم عادت إلى الغرفة وأغلقت الباب وراءها ،
فعاد إلى موقفه الأول ، وما زال راكعا أمام بابها حتى مشت جذوة النهار في فحمة الليل ،
فصعد إلى غرفته وقد علم أن الذي قام بنفسه منذ اليوم ليس الهذيان ولا الجنون ، ولا الوسواسولا حرارة الحمى كما كان يظن ،
وإنما هو الحب !\
(6)
) الدعوة )
دخل مولر على ابنته ذات يوم فقال: يا بنية ، إني دعوت اليوم جارنا الذي يسكن في الغرفة العليا من منزلنا إلى العشاء عندنا في الساعة السابعة ،
فأعدي له الطعام ، واعلمي أنك ستغنين في هذه الليلة ، فقد وعدته بذلك ، وقد لقيت من كرم هذا الفتى وعلو همته ، وشدة عارضته ، وكثرة ذكائه ، وسعة علمه بالنبات ، وطبائعه ، ما حببه إليَّ ، وأنزله من نفسي المنزلة العليا ،
ولا بد أن أتخذه صديقا ، وأن تكون تلك الدعوة فاتحة تلك الصداقة ،
ثم تركها وخرج إلى الحديقة ، وظل مشتغلا بشأنه فيها حتى مالت الشمس إلى مغربها ، فعاد إلى المنزل وجلس إلى نافذة غرفته المطلة على الحديقة ينتظر ضيفه ، وإنه لكذلك إذ رآه خارجا من باب الحديقة يعدو عدوا شديدا وفي يده رسالة مفضوضة ، فهتف بابنته يقول: يا ماجْدولين !\ ما أحسب إلا أن جارنا قد حيل بينه وبين الوفاء بوعده ، فقد رأيته الساعة خارجا يعدو من باب الحديقة ، ثم رأيته قد سلك تلك الطريق التي لا ينتهي فيها السائر إلى غرض إلا بعد سفر عشرة أميال ،
فقالت: لا بد أن يكون قد عرض له شأن ما كان يقدره في نفسه ، فلا بد أن ننتظره حتى يعود ،
ثم جلسا صامتين ، هذا يدخن لفافته ، وتلك تخيط ثوبها ، حتى علما أنه لن يعود ، فقاما إلى العشاء ثم إلى المنام .
(7)
) الزيارة )
جلس مولر إلى ابنته ، فنظر نظرة في النجوم وقال: ما أحسب إلا أن السماء ستمطرنا في هذه الليلة مطرا غزيرا يبلل هذه التربة الظامئة ،
ويملأ هذه البقاع الجرداء ، فما أجمل الربيع وما أجمل غيوثه المنهلة ، وما أجمل أرضه بعد أن يكسوها الغمام من نسج يده تلك الغلائل الخضراء !\
فقالت ماجْدولين : لا تنس يا أبت أن كثيرا من ضعفاء السابلة وطرائد الليل يعانون في مثل هذه الليلة الماطرة من تدفق الغيوث فوق رءوسهم ، واعتراض الوحول في طريقهم ، وبُعْد الشُّقَّة عليهم ما لا طاقة لهم باحتماله ، فوا رحمتاه لهم .
وقال مولر نعم :إن الشقاء كامن لهم في كل شيء حتى في الشئون التي يسعد بها غيرهم ، فاكتأب واحدا منهم ، فقد مر الهزيع الأول من الليل ولم يعد استيفن إلى المنزل حتى الساعة بعد ما قضى ليلة أمس خارجه .
أخذت هذه الكلمة مكانها من نفس ماجْدولين ، فأطرقت برأسها تقلب صحائف كتابها ولا تقرأ منه شيئا ، وإنهما لكذلك إذ طارق يخفق الباب خفقا ضعيفا ،
وقامت ماجْدولين إلى الباب ففتحته ، فإذا استيفن ماثل في عتبته . فاضطربت الفتاة ، ودهش مولر ،
فاستأذن ودخل وهو يقول: عفوا يا سيدي إن كنت ترى أنني لم أَفِ لك بوعدي ، فقد أرسل إليَّ أخي كتابا يدعوني فيه إلى مقابلته على الحدود لتوديعه قبل سفره إلى الحرب ،
فأعجلني كتابه عن كل شيء حتى عن الاعتذار إليك ، فمشيت إليه عشرة أميال لا أتريث ولا أتئد حتى بلغته ، فودعته وداعا بين السرور له والحزن عليه ،
أما السرور فلأني رأيته فرحا مغتبطا برحلته يغني أنشودة الحرب مرة ، ويلاعب جواده أخرى ، ويمشي مشية الخيلاء بين ريش قبعته وحمائل سيفه ،
وأما الحزن فلأني أخاف أن يسبقني القدر إليه فيحول بيني وبينه ، فأصبحُ في هذه الحياة غريبا منفردا ، لا أجد بين هذه القلوب الخافقة حولي قلبا يحزن لحزني ، ولا بين هذه العيون الناظرة إليَّ عينا تبكي لبكائي ،
وهنا ذرفت من عينه دمعة كادت تبكي لها ماجْدولين ، ولكنها لم تفعل ذلك حياء وخجلا ، وألقت عليه نظرة عطف ورحمة من حيث لا يشعر ، حتى إذا التفت إليها استردتنظرتها وألقتها على صفحة كتابها .
فقال له مولر : لا تجزع يا بني ، فالله أرحم بك من أخيك وأرحم بأخيك من نفسك .
ثم أخذ بيده إلى مائدة الشاي وجلسا يشربان معا ، وأنشأ مولر يحدث صاحبه عن الشاي ومغرسه ومنبته ، وأعواده وأوراقه ، وأنواعه وألوانه ، وطريقة طبخه وأصل كلمته ومصدر اشتقاقها ، وآراء علماء النبات في ذلك ،
وردود بعضهم على بعض ، وردوده هو عليهم جميعا .
وما زال يثر في ذلك ويُسهب ظانا أن استيفن حاضرا معه ، واستيفن عنه في شغل بما يختلس من نظرات ماجْدولين وما تختلس من نظراته ،
حتى فرغا من شأنهما ، اقترح مولر على ابنته أن تغني لهما صوتا ،
فأنشأت تغنيه بنغمة تخالطها رعدة الخائف أو رنة المحزون ، فما أتت عليه حتى طرب له استيفن طربا مَلَكَ عليه قلبه ، وأحاط بعواطفه ومشاعره ، وشعر كأن الفضاء يدور به ،
وكأن قد بدلت الأرض غير الأرض والسموات ، ثم خاف أن يمتد به شوطه إلى أبعد من ذلك ، فتناهض استيفن للقيام ، فمشى معه مولر إلى الباب يشيعه وهو يقول : زرنا كلما بدا لك أن تفعل يا استيفن ، فما دون مزارك باب موصد ،
فانصرف بقلب غير قلبه ، وعقل غير عقله ، وحال بين جنبيه غريبة لا عهد له بمثلها من قبل .
(8)
) المرأة )
قضت ماجْدولين ليلتها راكعة في معبدها ، مستغرقة في صلاتها ، تدعو لله ، تعالى ، أن يعينها على أمرها ، وينير لها ظلمة هذه الحياة الجديدة التي بدأت تسير فيها ،
وقد ألمت بنفسها في تلك الساعة عاطفة غريبة متنوعة الألوان ، مختلفة الأشكال ، كأنما هي مزيج من الحب والخوف ، والسرور والحزن ، والأمل الواسع والرجاء الخائب ، فكانت تبتسم مرة حتى تلمع ثناياها ، وتبكي أخرى حتى يبتل رداؤها ،
ولا تعلم ما الذي أضحكها ولا ما الذي أبكاها !\
ولم تزل على حالها تلك حتى حلق طائر الكرى فوق أجفانها ، فاضطجعت في مصلاها ، وأسلمت نفسها إلى خالقها .
أما استيفن فقضى ليله جالسا إلى نافذة غرفته يقلب وجهه في السماء كأنما هو يساهر كواكبها ونجومها ، ويفضي إليها بما ألم بنفسه في تلك الساعة من سرور وغبطة ، وما كان سروره إلا لأنه أصبح يشعر في نفسه ببرد الراحة من البحث عن ضالة غرام ظل ينشدها ويتعلق بآثارها عهدا طويلا حتى وجدها ،
وأن نفسه التي كانت حبيسة بين جنبيه قد أشرقت عليها شمس الحب فانتعشت ورفرفت بجناحيها في الفضاء ، فأنشأ يحدث نفسه ويقول: أحمدك اللهم ، فقد ظفرت بالحياة التي كنت أقدرها لنفسي ، ووجدت المرأة التي كنت أصورها في مخيلتي .
وما المرأة إلا الأفق الذي تشرق منه شمس السعادة على هذا الكون فتنير ظلمته ، والبريد الذي يحمل على يده نعمة الخالق إلى المخلوق ، والهواء المتردد الذي يهب الإنسان حياته وقوته ، والمعراج الذي تعرج عليه النفوس من الملأ الأدنى إلى الملأ الأعلى ، والرسول الإلهي الذي يطالع المؤمن في وجهه جمال الله وجلاله ،
ففي وجه هذه الفتاة التي عثر بها اليوم قد عثرت بحياتي وسعادتي ، ويقيني وإيماني . وكان يخيل إليه وهو يحدث نفسه بهذا الحديث أن الحب الذي ملأ قلبه قد فاض عنه إلى جميع الكائنات التي يراها بين يديه ،
فكان يرى في صفحة السماء صورة الحب ، ويسمع في حفيف الأشجار صوت الحب ، ويستروح في النسيم المترقرق رائحة الحب ، ويرى في كل ذرة ثغرا باسما ، وفي كل نأمة عودا ناغما .
ولم يزل يهتف بهذه التصورات حتى انحدر برقع الليل عن وجه الصباح فهجع في مرقده قليلا ، ثم قام فنزل إلى الحديقة يترقب نزول ماجْدولين إلى متنزهها ، فلم تنزل حتى أخذت الشمس مكانها من كبد السماء ،
فرابه من أمرها ما رابه ، فلم ير بدا من زيارة فمشى إلى المنزل بقدم مضطربة وقلب خفاق حتى بلغ الباب ،
فقرعه ، ثم شعر أن ، شعبة من شعب قلبه قد سقطت بين أضلاعه ، وأن لسانه قد التوى عليه فأصبح لا ينطق ولا يبين ، فندم على أن لم يكن قد سلك سبيلا غير تلك السبيل ،
وتمنى لو فترت الخادم قليلا في خطواتها إليه حتى يستجمع رويته وأناته ، ويسترد إليه ما تفرق من شمله ،
فكان ما تمناه فلم تفتح له جنفياف الباب إلا بعد فراغها من شأن كان لها ،
فسألها: : أين مولر ؟
فمشت أمامه إلى قاعة الأضياف ثم تركته وذهبت لتخبر سيدها بمكانه ، فلما خلا أخذ يدور بعينيه في جوانب الغرفة ، فرأى مولر يقرأ في قاعة الكتب ،
وكان على مَقْرُبة منه بابا مفتوحا يلوح من ورائه سرير قائم ، فعلم أنه مخدع ماجْدولين فتسمع فلم ير أحدا ، فهاجه الشوق إلى اقتحامه فاقتحمه ،
وهو يعلم أنها المخاطرة بعينها ، ولكنه كان على حال لا ينتفع فيها بما يعلم ،
فدخل واقترب من السرير فوجد الفراش لا يزال مشعثا وعند رأس السرير حوضا مملوء ماء وإلى جانبه كرسي قد انتشر فوقه رداء مبتلّ ، ثم نظر إلى الأرض فرأى بللا بمثل أقداما صغيرة ،
فعلم أن في هذا السرير كانت ماجْدولين نائمة ، وفي هذا الماء كانت تتبرد ، وبهذا الرداء كانت تتمسح ، وعلى هذه الأرض كانت تتنقل ،
فجمد في مكانه جمود الصنم في هيكله ، وأخذ يقول في نفسه: لقد سعد السرير الذي لامسها ، والرداء الذي ضمها ، والأرض التي لثمت أقدامها ، والماء الذي انحدر على جسمها .
ثم مشى إلى الرداء المنتشر فأخذ يلثمه كما يلثم العابد المتشدد ستائر معبده ، وتهافت على الأرض يقبل آثار تلك الأقدام ، ثم خيل إليه أنه يسمع من ورائه صوتا ، فرجع إلى
وعاد منفتلا إلى مكانه الأول ، فما لبث مولر إلا قليلا حتى دخل عليه وحياه وقال له : عفوا يا استيفن فقد شغلني عنك أني كنت أفتش في قواميس اللغة عن أصول أعلام نباتية ما زلت معنيا بأمرها منذ اليوم ، فهل لك أن تكون عونا لي عليها — على شرط ألا تفارق منزلي قبل الغداء ،
فابتسم استيفن ابتسامة الرضا والقبول ؛ لأنه علم أنه سيقضي وقتا طويلا في منزل ماجْدولين .
ثم ذهبا معا إلى قاعة الكتب فلما أخذا مكانهما منها أنشأ مولر يسرد على صاحبه تلك الأعلام التي يقول إنها تشغله ، ويشرح له مدلولاتها ، وما رآه علماء النبات في مصادر اشتقاقها ، وما بدا له من المآخذ عليهم ، فإذا ورد في كلامه اسم كتاب قام إلى خزانة الكتب واستخرجه وتصفح أوراقه حتى يجد الكلمة التي يريدها فيتلوها بنغمة الهازئ الساخر ،
ويقول: هكذا يرى الأستاذ فلان !\ أما أنا فأرى غير ما يراه ، وماذا عليَّ إن بدا لي غير ما بدا له ؟ فالعلم ليس وقفا على المؤلفين والمدونين وإنما هو قرع الحجة ، ودفع الرأي بالرأي .
وما زال استيفن يردد النظر إلى باب القاعة من حين إلى حين عله يرى ماجْدولين داخلة ،
فقال له مولر وهو مازال يهدر في حديثه هدير الجمل المخشوش ، : أراك تنظر إلى الباب كثيرا كأنك تخاف أن يلج علينا الغرفة والج فيكدر علينا خلوتنا ، فاعلم أنه ما من أحد من هذا المنزل يستطيع أن يخالف أمري ويقتحم عليَّ باب قاعتي من غير إذن ،
وهنا صاحت الخادم تدعوه إلى الغداء ، فلم يقطع حديثه ، فصاحت به مرة أخرى ، فنهض متثاقلا ومشى متباطئا لا يقطع حديثه حتى وصل إلى غرفة الطعام ، فراع استيفن أنه لم ير حول المائدة غير مقعدين ، فعلم أن أحدهما له ، وأن الآخر لا يمكن أن يكون لأحد غير مولر ،
فوجم وجوم الحزين المكتئب ، واستمر يأكل صامتا لا يتحدث ولا يصغي إلى حديث مولر حتى قال له : لقد أراد الله بي خيرا إذ أرسلك إليَّ في هذا اليوم ، فقد كدت لا أجد لي في هذه الوحدة مؤنسا ، ولا على هذه المائدة رفيقا ، فإن ابنتي سافرت منذ الصباح لزيارة إحدى صواحبها ، ولا أحسبها راجعة قبل المساء ، فهل لك أن تنزل الحديقة لنرتاض فيها ؟
فنزلا إلى الحديقة فما أمعنا فيها إلا قليلا حتى سمعا صوت الخادم تصيح بمولر مطلة من النافذة ، أن قد عادت سيدتها فحياه مادا له يده مودعا وتركه مكانه حائرا مشدوها ،
(9)
) الحيرة )
كان من أمر استيفن بعد ذلك أنه كلما رأى ماجْدولين في الحديقة فر من وجهها وسلك طريقا غير طريقه ،
ليخلو بنفسه لحظة يصور فيها الموقف الذي يقفه بين يديها ، والتحية التي يجمل به أن يحييها بها ، فلا يصل إلى ما يريد من ذلك حتى يراها راجعة أدراجها إلى المنزل ،
فكان يحمل في سبيل ذلك من الهم ما يقلق مضجعه ، ويطيل سهده ويحول بينه وبين قراره ، فلا يرى بدا من الفرار بنفسه إلى الغابات والأجمات ، والهيام على وجهه في قمم الجبال وعلى ضفاف الأنهار ليروح عن نفسه بعض ما ألم بها ، واستمر على ذلك أياما طوالا حتى تَلِفَتْ نفسه ،
لا يمشي في الحديقة ، ولا يرى ماجْدولين ولا يزور مولر ، وذهب به اليأس كل مذهب ،
فعاد يوما من بعض مذاهبه محموما لا يكاد يتماسك ضعفا واضطرابا ، فلزم غرفته أياما يعالج من داء قلبه وداء جسمه ما لا طاقة له باحتماله ،
قد ألمت جنفياف بجملة حاله فكاشفت بها سيدها ، فصعد إلى غرفته ليعوده فرآه وكان مستفيقا بعض الاستفاقة ، فسأله عما به فانتحل له عذرا ، فجلس إليه يحادثه ساعة ،
فلما أراد مولر القيام ، مد استيفن يده إلى طاقة بنفسج كانت في آنية إلى جانب وسادته وقال له: إني جمعت هذه الطاقة لماجْدولين ؛ لأني أعلم ولعها بالغريب المستطرف من الزهر ، فلعلك تنوب عني في تقديمها إليها .
فأخذها مولر شاكرا وانصرف
ومرت بعد ذلك أيام كان فيها استيفن بين يأس الحياة ورجائها حتى أدركته رحمة الله فأبَلَّ من مرضه ، فنزل إلى الحديقة وقد استقر في نفسه العزم على ألا يفر من وجه ماجْدولين إذا رآها ،
وأن يتقدم نحوها فيحييها ويحادثها ، وينفض لها جملة حاله ، ولم ينشب أن رآها مقبلة عليه وجها لوجه ،
فلم ير سبيلا للفرار من بين يديها ، فحياها فحيته ، ثم أغضى فأغضت ، فلم ير بدا من المخاطرة بكلمة يخرج بها من هذا الصمت المعيب ، فاستنصر قوته وتجمع تجمع من يريد الوثوب فوق هوة عميقة ،
وأراد أن يقول شيئا فسمعها تتكلم ، فاستفاق وحمد الله على أن كفاه تلك المئونة ،
فقالت: أراك يا سيديشاحب اللون ، خائر النفس ، فلعلك عالجت من مرضك هذا عناءً كبيرا ؟
قال: نعم .
قالت : أشكر لك يا سيدي هديتك الثمينة التي بعثت بها إليَّ ، ولقد أعجبني منها أن تلك الزهرة هي أحب الزهور إليَّ ، فكأنما ألهمت ما في نفسي ، وإني أعجب لشعرائنا في إغفالهم ذكر هذه الزهرة في أشعارهم كما ذكروا غيرها مما لا يقوم مقامها ، ولا يكافئها في حسنها ، وروائها ، ولا أذكر أني قرأت لأحد منهم شعرا فيها إلا قطعة صغيرة لشاعرنا جيتي .
وهنا وجد استيفن متسعا في الحديث عن الشعر والشعراء ، والنبات والزهر ، فاستمر يحادثها ساعة حتى حان وقت رجوعها ، فودعته وانصرفت ، فصعد إلى غرفته وقد عزم أن يراسلها فيما عجز عن مفاتحتها فيه .